مقالات
كيف ترجمت رؤية 2030 وعودها إلى أرقام؟

م. هاني رجب
قراءة اقتصادية في مسار تنويع الإيرادات، نمو القطاع غير النفطي، وتحولات سوق العمل.. في علم الاقتصاد الكلي، تُقاس جدوى السياسات العامة بقدرتها على تعزيز النمو المستدام، وتنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة سوق العمل، وتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي والتحفيز الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تمثل رؤية السعودية 2030 نموذجًا تطبيقيًا لبرنامج تحول اقتصادي طويل الأمد، تُظهر مؤشراته – حتى اليوم – تحقيق 93٪ من مستهدفاته، وفقًا لتصريح معالي وزير الاقتصاد والتخطيط، في دلالة واضحة على اتساق السياسات وفاعلية التنفيذ واستقرار المسار.
هذا التقدم لا يمكن قراءته بمعزل عن إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتوسيع قاعدته الإنتاجية. ففي تنويع الإيرادات، ارتفعت الإيرادات غير النفطية من 163 مليار ريال قبل إطلاق الرؤية إلى نحو 502 مليار ريال في عام 2025، بما يعكس نجاح حزمة من السياسات شملت الإصلاحات الضريبية، وتنمية القطاعات الواعدة، وتحسين كفاءة التحصيل، في مسار متصاعد نحو مستهدف التريليون ريال بحلول 2030.
وعلى مستوى الناتج المحلي، ارتفعت مساهمة القطاع غير النفطي من أقل من 40٪ قبل الرؤية إلى نحو 56٪ في 2025، ما يؤكد تحوّل الاقتصاد من الاعتماد الأحادي إلى اقتصاد متنوع، تقوده قطاعات السياحة، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والصناعة، والاقتصاد الإبداعي، مع استهداف بلوغ 65٪ بحلول 2030.
وفي سوق العمل، تبرز النتائج بوصفها أحد أكثر المؤشرات حساسية في أي برنامج إصلاحي. فقد تراجعت نسبة البطالة بين السعوديين من مستويات تراوحت بين 12–13٪ إلى نحو 6.8٪ في 2025، محققة الهدف المحدد عند 7٪. ويعكس ذلك أثر سياسات التوطين النوعي، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وتحفيز القطاع الخاص على خلق وظائف مستدامة.
أما تمكين المرأة، فقد تجاوز المؤشرات المستهدفة، إذ ارتفعت مشاركتها في سوق العمل إلى 33٪ بعد أن كانت عند حدود 22٪ قبل الرؤية. اقتصاديًا، لا يُقرأ هذا التحول بوصفه إنجازًا اجتماعيًا فحسب، بل بوصفه توسعًا في قاعدة القوى العاملة، ورفعًا للإنتاجية، وتعظيمًا للعائد الاقتصادي طويل الأجل.
وفي قلب المشهد الاستثماري، لعب صندوق الاستثمارات العامة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل هيكل الاستثمار الوطني. فقد ارتفعت أصوله من 720 مليار ريال قبل الرؤية إلى نحو 4.3 تريليونات ريال في 2025، متجهًا نحو مستهدف 7 تريليونات ريال بحلول 2030. ويُعد هذا التوسع رافعة أساسية للنمو، من خلال الاستثمارات الاستراتيجية محليًا ودوليًا، وتعزيز سلاسل القيمة، وتحفيز القطاع الخاص.
ولا يمكن إغفال قطاعي السياحة والعمرة ضمن هذه القراءة الاقتصادية. ففي السياحة، تجاوز عدد الزوار 110 ملايين زائر سنويًا في 2025، متخطّيًا مستهدف 2030، بعد أن كان أقل من 50 مليونًا قبل الرؤية، ما أسهم في زيادة الإنفاق السياحي، وتحفيز الأنشطة المرتبطة به، وخلق فرص وظيفية مباشرة وغير مباشرة. وفي العمرة، ارتفع عدد المعتمرين إلى نحو 20 مليون معتمر سنويًا، في مسار واضح نحو هدف 30 مليون معتمر، بما يعكس كفاءة إدارة الطلب، وتطوير البنية التحتية، وتحسين تجربة المستفيد.
إن قراءة هذه المؤشرات مجتمعة تؤكد أن رؤية السعودية 2030 ليست مجرد إطار طموح، بل برنامج إصلاحي متكامل، بُني على أهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء واضحة، وتنفيذ منضبط. وتحقيق 93٪ من المستهدفات قبل الوصول إلى عام 2030 يعكس نضج التجربة، وسلامة السياسات، وقدرة الاقتصاد السعودي على التكيّف والنمو في بيئة عالمية متغيرة.
وحين تُحاكم الرؤى بلغة الاقتصاد، وتُقاس التحولات بالمؤشرات، يصبح النجاح نتيجة منطقية لمسار صحيح… لا استثناءً عابرًا.
*مستشار تسويق استراتيجي لتطوير الأعمال وجلب الرعايات.


