مقالات

عندما يرحل من كان يدافع عن الغائبين

Listen to this article

أ. حسين القفيلي

الفقد موجع، والفراق قدرٌ إنساني كُتب على بني آدم منذ الخليقة؛ غير أن للفراق وجوهًا متعددة، منها ما هو مؤقت نرجو بعده لقاء، ومنها ما لا عودة بعده إلا في دار الحق. وبين هذا وذاك، يظل الفرق شاسعًا بين الغياب والفقد، فالغائب ننتظر عودته، أما الفقيد فنحمله في القلب ما بقي العمر.

اليوم، لا أكتب عن غياب، بل عن فقدٍ حقيقي، فقدت رجلًا عزيزًا، وشهمًا، وصديق دراسة، وابن عم، له مكانة خاصة في قلوب كل من عرفه؛ المحامي سالم بن مبارك آل فاضل رحمه الله رحمةً واسعة.

رحل جسده، وبقي أثره حيًا في الذاكرة، فلقاءاتي به وإن كانت قليلة، إلا أنها كانت عميقة الأثر، ثابتة الحضور، لا تشبه اللقاءات العابرة التي تمحوها الأيام. عرفته زميل دراسة في المرحلة المتوسطة، بالمجمع شمال نجران، وتحديدًا في الصف الثالث متوسط، قبل ما يقارب أربعين عامًا. كان – رحمه الله – سابقًا لسنّه في وعيه، ناضجًا في تفكيره، لا يملّ من النصح بالجد والاجتهاد، وكان مثالًا للحرص والالتزام.

أذكر أنه كان الوحيد بين الطلاب الذي يملك سيارة خاصة، وكان كريم النفس، حريصًا أن يصطحبني معه كل صباح، في مواقف صغيرة تصنع في الذاكرة أثرًا لا يُنسى. ثم افترقنا بعد المرحلة المتوسطة، وتباعدت بنا الطرق، وغبنا عن بعضنا سنوات طويلة، كما تفعل الحياة بأهلها.

حتى كان لقاؤنا مجددًا في عام 1414هـ، حين زرته في جامعة الملك عبدالعزيز بمدينة جدة، بعد تخرجي من جامعة الملك سعود وإجرائي مقابلة وظيفية هناك. استقبلني يومها بوجهه المألوف، وابتسامته الصادقة، وجلسنا نتبادل الحديث عن الحياة والمستقبل، فشعر بما يعتمل في صدري من قلق شاب يبحث عن وظيفة، وعن مدينة سيستقر فيها، في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل ميسّرة كما هي اليوم.

في تلك اللحظة، مدّ رحمه الله يده وأهداني كتابًا غيّر الكثير في داخلي:
“دع القلق وابدأ الحياة” للكاتب الأمريكي ديل كارنيغي. كان ذلك الكتاب هدية وقت، وحكمة موقف، ولا تزال ثماره ترافقني حتى اليوم.

ثم انقطعت اللقاءات مرة أخرى، أكثر من عشرين عامًا، بسبب مشاغل الحياة وضغوطها. لم تكن اللقاءات كثيرة، لكنها كانت – كما النجوم في وضح النهار – لا تُرى كثيرًا، غير أن نورها يبقى مضيئًا في القلب إلى الأبد.

وقبل نحو شهرين فقط، وتحديدًا يوم السبت 11 / 5 / 1447هـ، فاجأني بزيارة من المنطقة الشرقية إلى الرياض، خصيصًا للاطمئنان على حالة ابني بعد عملية جراحية. دخل عليه وهو نائم، وجلس يتلو آيات من القرآن الكريم، في مشهد اختصر معنى الأخوّة الصادقة، والرحمة التي يصنعها القرآن في القلوب.

وقبل أن يغادر، وضع مبلغًا من المال تحت وسادة ابني. حاولت ثنيه، فقال كلمات لن أنساها ما حييت:
“نعطي أنفسنا… ولا نعلم هل نلتقي بعد ذلك.”
وكان كما قال… فلم نلتقِ بعده.

مضى إلى جوار ربه، وبقي أثر اللقاء الأخير شاهدًا على صفاء قلبه ونقاء سريرته. رحمك الله يا أبا يوسف، رحمك الله رحمةً تليق بما كنت عليه من خلق، ونبل، وإنسانية. لقد نذرت نفسك لخدمة أبناء عمومتك ومجتمعك، فكنت في مهنتك القانونية محاميًا للحقوق، وفارسًا للعدالة، ومدافعًا عن الغائبين، وزائرًا للمريض، وحاضرًا في مواطن الخير.

نسأل الله أن يجعل مثواك جنة الخلد، دار النعيم والقرار، وأن يجزيك عن كل ما قدمت خير الجزاء، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى