الإفطار في رمضان بقرية آل الداحس في الماضي

أحوال – معدي آل حيه
في قريتي الصغيرة آل الداحس، لم يكن رمضان كما نراه اليوم عامرًا بأصناف الطعام وروائح المأكولات المتنوعة، بل كان شهرًا تتجلى فيه معاني الصبر، والتكافل، وقوة الإيمان وسط شدة الحياة وقسوتها. كان الفطور بسيطًا حدّ الكفاف، لكنه عظيم في معناه، كبير في أثره.
شدة الحياة والعمل في المزارع
كانت الحياة آنذاك قائمة على العمل اليدوي الشاق. الرجال يخرجون مع أول خيوط الفجر إلى المزارع، يحرثون الأرض، ويسقون الزرع، ويصبرون على حر الشمس اللاهبة. وبعضهم يرعى الأغنام في الشعاب والسهول، يتتبع المرعى القليل، ويبحث عن ظلٍ يقيه وهج النهار.
لم يكن العمل يتوقف لأجل الصيام، بل كان الصيام يزيدهم صبرًا وقوة عزيمة. يعودون قبيل المغرب متعبين، أثقلهم الجوع والعطش، لكن في وجوههم رضا وتسليم بقضاء الله.
الفطور… أوراق الشجر والوفرة
حين يقترب موعد الأذان، تجتمع الأسر في بيوتها الطينية البسيطة، وليس على الموائد إلا القليل. كان الطعام في كثير من الأيام عبارة عن أوراق شجر تُسمى “الحَوَاء”، تُقطف من الجبال أو أطراف المزارع، وتُؤكل لسد الجوع. كما كان هناك صغار البرسيم، ويُسمى “الوفرة”، يُؤتى به أخضر طريًا، فيكون قوتًا لمن لم يجد غيره.
لم تكن تلك الأطعمة ترفًا ولا اختيارًا صحيًا كما قد يُظن اليوم، بل كانت ضرورة فرضتها قلة الموارد وضيق الحال. ومع ذلك، كانت البركة تحفّها، لأن القلوب كانت ممتلئة بالقناعة.
التمر… بركة زرع المسجد
أما التمر، فكان له شأن خاص. كانت هناك عادة جميلة تُعرف بـ “زرع المسجد”، حيث يُخصّص جزء من الزرع أو النخيل للمسجد، ويكون ريعه لأهل القرية. وعند حلول رمضان، يُوزَّع التمر بالتساوي على أفراد القرية، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير.
كان مشهد توزيع التمر يحمل معنى العدالة والمساواة، ويجسد روح الأخوة الحقيقية. يأخذ كل بيت نصيبه، فيفرح الأطفال، وتحمد الأمهات الله على هذه القسمة المباركة. وربما كانت بضع تمرات هي كل ما يُفطر عليه الصائم، لكنها كانت كافية لتبعث الدفء في النفوس.
رمضان… مدرسة الصبر والرضا
في تلك الأيام، لم يكن الفطور مجرد وجبة تُؤكل، بل كان لحظة انتصار على الجوع، وشكرٍ لله على القليل قبل الكثير. كان الناس يعرفون قيمة اللقمة، ويحمدون الله على النعمة مهما صغرت.
علّمتنا تلك السنوات أن الغنى ليس بكثرة الطعام، بل بطمأنينة القلب. وأن رمضان ليس بكثرة الأصناف، بل بصدق التوجه إلى الله، وبالتكافل بين الناس.
واليوم، كلما تنوعت الأطباق على موائدنا، تعود الذاكرة إلى قرية آل الداحس، إلى أوراق الحواء، والوفرة، وتمرات زرع المسجد… فأدرك أن أجمل ما في تلك الأيام لم يكن الطعام، بل القلوب التي اجتمعت على الصبر والمحبة.



