لفت انتباهي وأنا أحرر ما نُشر في هذه الصحيفة بالأمس القريب تحت عنوان «المندق تحت المطر.. ليلة يزهر فيها العطاء ويتجلى الوفاء»، فاستوقفني ما يحمله من دلالاتٍ تتجاوز جمال المكان إلى عمق القيم التي عُرف بها إنسان هذه الديار عبر التاريخ. ولأن الحديث عن برحرح وأهلها يستحضر في الذاكرة صفحاتٍ مشرقة من تاريخ دوس من زهران، الذين شرفهم الله بالسبق إلى الإسلام وصحبة النبي ﷺ بعد إسلامهم، فقد وجدت نفسي مدفوعًا إلى تحرير هذه الكلمات استحضارًا لتلك المعاني، وربطًا بين ماضٍ مجيدٍ وحاضرٍ لا تزال فيه قيم العطاء والوفاء متجذرة في النفوس.
وفي سياق هذا الحديث يبرز ذكر بعض الرموز الاجتماعية من أبناء دوس، ومنهم مشيخة آل خضران ومشيخة آل مبارك، وما عُرف عنهما من حضورٍ في خدمة المجتمع وتعزيز روح العمل الخيري بين أبنائه. ويُذكر في هذا المقام الأستاذ سعود بن خضران من أسرة أل مبارك – متعه الله بالصحة والعافية – لما له من أثرٍ في المشورة والتوجيه وتحفيز المبادرات المجتمعية في بلاد زهران وما جاورها، حتى غدا اسمه حاضرًا في كثيرٍ من ميادين الخير والعمل الاجتماعي.
ولعلها مناسبة أدوّن فيها ما يسّره الله من القول، لا تزلفًا لأحدٍ ولا انتقاصًا من أحد، وإنما توثيقًا لمعانٍ أصيلةٍ ومواقف نبيلةٍ يشهد بها المجتمع، وتبقى شاهدًا على امتداد قيم الوفاء والعطاء في هذه الأرض المباركة. ومن هذا المدخل يمكن قراءة المشهد الذي شهدته المندق في تلك الليلة الماطرة، حيث تجلت معاني التكافل والتراحم في صورةٍ تعكس أصالة المكان والإنسان.
ففي ليلةٍ غمرتها أمطار الخير، بدت محافظة المندق في أجمل صورها، حيث تلاقت الطبيعة الخضراء مع دفء المشاعر الإنسانية، لتصنع مشهدًا نابضًا بالعطاء والتكافل. وبين الطرقات التي ارتوت بالغيث، تجلت مواقف النبل والوفاء بين الأهالي والزوار، في صورة تعكس عمق القيم الاجتماعية التي عُرفت بها هذه الديار منذ أزمان بعيدة.
وليس هذا العطاء وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لتاريخٍ عريقٍ حملته هذه الأرض وأهلها جيلاً بعد جيل. فمن هذه الديار الممتدة في أعماق التاريخ خرجت قبائل دوس من زهران، التي كان لها السبق في اعتناق الإسلام، حين حملت شعلة النور إلى رحاب الرسالة المحمدية. فقد كان من أبنائها الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه، الذي أسلم مبكرًا، ثم عاد إلى قومه داعيًا إلى الإسلام، فاستجاب له عدد كبير منهم، قبل أن يقود ما يقارب مئة بيت من قبيلة دوس مهاجرين إلى المدينة المنورة للقاء النبي محمد ﷺ، حيث شرفوا بالسبق إلى الإسلام من بين قبائل زهران.
وقد حظي هؤلاء بشرف الصحبة والمشاركة في بناء الدولة الإسلامية الأولى، فجاهدوا مع المسلمين الأوائل بأموالهم وأنفسهم، وكتبوا صفحة مضيئة في تاريخ القبيلة والمنطقة. ومنذ ذلك الحين ظل إرث الإيمان والوفاء متجذرًا في نفوس أبنائهم، يتوارثونه عبر الأجيال.
واليوم، حين تهطل أمطار الخير على المندق، لا تُروى الأرض وحدها، بل تستيقظ معها ذاكرة التاريخ، حيث تتجدد معاني الكرم والتلاحم التي عُرفت بها هذه الديار. فكما حمل الأجداد رسالة الإيمان والعطاء، يواصل الأبناء اليوم تجسيد تلك القيم في حياتهم اليومية، لتبقى المندق شاهدًا حيًا على تاريخٍ من الأصالة، ومجتمعٍ يزهر فيه العطاء ويتجلى فيه الوفاء.
شكرًا لمحافظ المندق الأستاذ قاسم بن سعيد آل محسن على مبادرته الإنسانية التي تعكس إنسانيته قبل مسؤولياته، والتي أبهجت الحاضرين في حفل جمعية البر ببرحرح، وأسهمت في إيصال المساعدات للأسر المحتاجة، إلى جانب مبادراته المتعددة التي تعزز مكانة المحافظة ورفاهية سكانها.
لقد تركت بصمة واضحة في محافظة المندق، لكن أفعالك الخيرة خلدت اسمك في ذاكرة الناس، خصوصًا وأن المندق شُرفت بتاريخها بإرادة من المؤسس لتكون إمارة زهران بالمندق بموجب المرسوم الملكي الصادر برقم : 165 ، وتاريخ : 1353/3/19هـ، ثم شملت مع زهران غامد، حيث تنقلت الإمارة بين المندق والظفير وبلجرشي قبل أن تعود إلى مدينة الباحة. وقد ظل هذا الاسم – إمارة زهران – حتى صدر الأمر السامي بتحويلها إلى منطقة الباحة مع بقية مناطق وطننا العزيز.
نسأل الله أن يديم على وطننا قيادته الرشيدة الملك سلمان وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الامير محمد بن سلمان، ويحفظ أرضه وشعبه، وأن يستمر العطاء في الميدان من رجالٍ يحملون همّ الوطن والمواطن قبل كل شيء.