“الإقصاء الاقتصادي” مستمرة.. أميركا تفرض عقوبات وقيودًا جديدة على إيران



وأفادت وكالة “بلومبرغ”، الأربعاء 26 أغسطس (آب)، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، بأن وزارة العدل الأميركية تعمل على تهيئة الأطر القانونية والتنفيذية لإعادة تفعيل “محاكم الغنائم البحرية”، وهي محاكم ظلت عمليًا غير نشطة منذ الحرب العالمية الثانية.
وبموجب الخطة، التي لم تُحسم بعد، يمكن للمدعين الفيدراليين تحويل النفط والسفن وغيرها من الشحنات المصادرة من سفن تابعة لدول معادية، أو حتى من بعض الدول المحايدة، إلى ملكية الحكومة الأميركية عبر إجراءات أسرع. وبعد صدور حكم قضائي، تُباع هذه الأصول وتُحوّل عائداتها إلى الخزانة الأميركية.
وأكد المدعي العام الأميركي في هيوستن، آرون ريتز، أن وزارة العدل تعمل على إعادة تفعيل هذه الآلية، موضحًا أن مكتبه يتعاون في هذا الملف مع المقر الرئيسي للوزارة في واشنطن.
ووصف ريتز القوانين المتعلقة بالغنائم البحرية بأنها “مجموعة قديمة من القوانين البحرية”، وقال إن مصالح الأمن القومي الأميركي قد تفرض على الجيش الأميركي، خلال نزاع عسكري، مصادرة السفن أو الشحنات الداعمة للعدو.
وأضاف أن المحاكم الفيدرالية يجب أن تكون مستعدة للبت في مصير السفن والشحنات التي تستولي عليها القوات الأميركية في مثل هذه الظروف.
واشنطن تعود إلى قانون يعود إلى قرون مضت
كانت محاكم “الغنائم البحرية” خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر جزءًا معتادًا من الحروب البحرية، وكانت تبت في قانونية مصادرة سفن وشحنات الدول المعادية، أو السفن المحايدة المتهمة بدعم أحد أطراف النزاع.
ومنذ الحرب الأميركية الإسبانية عام 1898، نادرًا ما استخدمت الولايات المتحدة هذه المحاكم، فيما أُهملت هذه الآلية بالكامل تقريبًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وخلال العقود الأخيرة، اعتمدت الحكومة الأميركية أساسًا على قوانين “المصادرة المدنية للأصول” لمصادرة السفن والشحنات التي تنتهك العقوبات. إلا أن هذه الإجراءات قد تصبح معقدة وطويلة بسبب تدخل ملاك السفن وشركات الشحن وأطراف أخرى وتقديمهم مطالبات قانونية.
وبحسب “بلومبرغ”، يجري التخطيط لهذه الخطوة بالتنسيق مع وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، في وقت اعترضت فيه القوات الأميركية، منذ بدء حصار الموانئ الإيرانية في أبريل (نيسان)، عدة سفن مملوكة لإيران أو مرتبطة بها وقامت باحتجازها.
قضايا المصادرة تواجه مطالبات متعددة
في إحدى القضايا الجارية، صادرت الولايات المتحدة ناقلة نفط عملاقة تابعة لفنزويلا، بدعوى دعمها للنظام الإيراني. وبعد المصادرة، رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى مدنية لبيع السفينة وشحنتها وتحويل عائداتها إلى الولايات المتحدة.
ولكن شركة الشحن وعائلات ضحايا أعمال إرهابية نفذها النظام الإيراني، ممن لديهم أحكام قضائية منفصلة للحصول على تعويضات، دخلوا في القضية. وأدى وجود هؤلاء المدعين إلى إبطاء إجراءات البت في مصير السفينة وشحنتها.
ويرى مؤيدو إعادة إحياء محاكم الغنائم البحرية أن هذه الآلية قد تسرّع بيع شحنات ناقلات النفط وتحويل عائداتها إلى الخزانة الأميركية. كما قد تحد صلاحيات محاكم الغنائم من قدرة أطراف ثالثة على التدخل وتقديم مطالبات بشأن الأصول المصادرة.
وقالت المحامية المتخصصة في قطاع الملاحة البحرية، أليسون لوزويك، لـ “بلومبرغ” إن اللجوء إلى هذه الصلاحيات، رغم مخاطره القانونية، قد يبسط عملية تحويل عائدات بيع الأصول، ويقلل احتمال تأخرها بسبب مطالبات أطراف خارجية.
هيوستن تتحول إلى مركز للنظر في القضايا
تعتزم وزارة العدل الأميركية تخصيص المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من ولاية تكساس للنظر في القضايا المحتملة. وتضم “هيوستن” أكبر مجمع للبتروكيماويات في الولايات المتحدة، كما يتمتع ميناؤها بقدرة كبيرة على تخزين النفط الخام.
وبموجب قوانين الغنائم البحرية، يمكن لأي محكمة فيدرالية تتمتع بالاختصاص على الميناء الذي تُنقل إليه السفينة المصادرة النظر في القضية. ويتعين على المحكمة أولاً اعتماد قواعد وإجراءات النظر في القضايا، ثم يستطيع المدعي العام الأميركي طلب إعلان السفينة أو الشحنة “غنيمة”.
ولا يزال يحق لملاك السفن المثول أمام المحكمة والاعتراض على المصادرة، إلا أن خبراء يقولون إن نطاق اعتراضهم سيكون أضيق مقارنة بقضايا المصادرة المدنية المعتادة.
وسيتولى آرون ريتز مسؤولية رفع هذه الدعاوى في المنطقة الجنوبية من تكساس. وقد عُيّن في هذا المنصب في يوليو (تموز) الماضي، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع مسؤولي وزارة العدل في واشنطن بفضل عمله السابق رئيسًا لمكتب السياسات القانونية في الوزارة.
قانونية عمليات المصادرة ستكون محل طعن
تثير إعادة إحياء هذه المحاكم تساؤلات قانونية مهمة، أبرزها ما إذا كان الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإيران يُعد قانونيًا “حالة خصومة” تتيح لواشنطن الاستناد إلى قانون الغنائم.
كما قد يشكّل غياب تفويض صريح من الكونغرس لهذا النزاع أساسًا للطعن في قانونية مصادرة السفن والشحنات. ومن بين الأطراف التي قد تتحدى هذا النهج أمام المحاكم ملاك السفن وعائلات ضحايا الأعمال الإرهابية التي نفذتها طهران.
وتواجه وزارة العدل والبحرية والجهاز القضائي الأميركي، إضافة إلى ذلك، عقبات تنفيذية، إذ لا يمتلك المسؤولون الحاليون في هذه المؤسسات خبرة في إدارة محاكم الغنائم البحرية.
وقالت لوزويك إن هذا المجال التاريخي من القانون لم يُختبر في العصر الحديث، مشيرة إلى أن القانون الدولي وقوانين الحرب شهدت تغيرات واسعة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وسيكون على المحاكم مراعاة هذه التطورات عند النظر في عمليات مصادرة السفن.
مؤيدون يتحدثون عن تعويض تكاليف الحرب
ويرى أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج ميسون، يوجين كانتوروفيتش، أن تنفيذ الخطة سيساعد في تعويض جزء من تكاليف الحرب، كما سيبعث رسالة مفادها أن إدارة دونالد ترامب تتعامل بجدية مع حصار إيران.
وبحسب كانتوروفيتش، فإن إعادة تفعيل قانون الغنائم ستبعث رسالة إلى إيران مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام جميع الأدوات القانونية والعسكرية المتاحة لها لتنفيذ الحصار.
وفي المقابل، يحذر منتقدون من التداعيات الدولية لهذه الخطوة. وكانت أستاذة القانون في جامعة الدفاع الوطني الأميركية، جيل غولدنزيل، قد كتبت سابقًا أن استخدام واشنطن لقانون الغنائم قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة.
وبحسب غولدنزيل، قد يردع هذا الإجراء السفن التجارية المحايدة عن انتهاك الحصار الأميركي، لكنه في الوقت نفسه قد يمهد الطريق أمام الصين لاستخدام القوانين ذاتها ضد الولايات المتحدة؛ وهو احتمال قد يشكل خطرًا على السفن الأميركية وغيرها من السفن المحايدة في حال اندلاع حرب بين البلدين.
ولم يرد البيت الأبيض والبحرية الأميركية على طلب “بلومبرغ” للتعليق على هذه الخطة حتى وقت إعداد التقرير.




