لماذا لا تزال الحرب الإقليمية الخيار الأول لإيران في مواجهة الولايات المتحدة؟



وتعتقد طهران أن استراتيجية الحرب مع الدول الخليجية خلال الحرب التي استمرت 40 يومًا كانت ناجحة، ولا ترى سببًا للتخلي عنها.
ومن وجهة نظر طهران، تخفف الحرب الإقليمية جزءًا كبيرًا من تكلفة المعركة عن كاهل إيران، وتوزعها بين الدول الخليجية والاقتصاد العالمي.
ومن خلال سياسة “إذا لم يُصدَّر النفط الإيراني، فلن يُصدّر نفط أي طرف من المنطقة”، يسعى النظام الإيراني، من جهة، إلى خلق ردع في مواجهة الهجمات، ولا سيما على البنية التحتية، ومن جهة أخرى إلى انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة.
لكن التهديد أصبح محورًا أكثر أهمية في النهج الجديد للحكومة، إذ يقول قادة الحرس الثوري إن نهج إيران لم يعد دفاعيًا، بل أصبح هجوميًا. وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي: “إذا استمر الحصار، فلن نسمح بخروج قطرة واحدة من النفط الخليجي بأي طريق، كما أننا لم نهاجم حتى الآن المصالح الاقتصادية الأميركية، وإذا استمرت أعمالهم العدائية، فإن هذا الإجراء سيكون متاحًا لنا أيضًا”.
ويمكن فهم رد فعل النظام الإيراني الحاد نسبيًا على الهجوم الأميركي على “لارك”، مساء الأحد 30 أغسطس (آب) الماضي، في هذا السياق أيضًا.
تغير طبيعة المعركة: من توازن القوة إلى توازن القدرة على التحمل
المنطق الحاكم لعملية صنع القرار في طهران ليس منطق توازن القوى بمعناه التقليدي. فالنظام الإيراني لا يملك فرصة كبيرة في ميزان القدرات العسكرية التقليدية، وقد أشار رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، إلى ذلك في مناسبتين على الأقل.
ومن جهة أخرى، كانت تقديرات عسكرية تتحدث عن تدمير نحو 90 في المائة من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. وبناءً على ذلك، تريد طهران إخراج الحرب المحتملة من المجال الجوي البحت ونقلها إلى مجال تكون فيه- على الأقل- متكافئة؛ أي الحرب البرية، حيث تتوافر لها قدرة أكبر على تحمّل الضربات وتوجيه الضربات المضادة.
وفي ذهنية المسؤولين الإيرانيين، يعني الانتصار بقاء النظام، وتسعى طهران إلى هذا البقاء من خلال توسيع الحرب أفقيًا والاعتماد على عامل الوقت واستنزاف إرادة الطرف المقابل.
ويعتقد مسؤولو النظام الإيراني أن العامل الذي يمكنهم الصمود فيه لفترة أطول هو الوقت. وقال مستشار القائد العام للحرس الثوري، محمد رضا نقدي: “حتى لو استمرت الحرب لسنوات، فإن صواريخنا الباليستية ستواصل السقوط على رؤوس أعدائنا”. ويعتقد النظام أن الفائز في هذه المعركة هو من يتعب في وقت متأخر، وأن دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة، لا تملك القدرة على الصمود طويلاً في هذه الحرب.
وما يراهن عليه النظام تلإيراني هو أن دول المنطقة، بما أنها سمحت بوجود قواعد أميركية على أراضيها، يمكنها ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب. ويركز جزء من تصريحات المسؤولين على تدمير هذه القواعد. وقال وزير الخارجية الإيراني الأسبق وعضو البرلمان الحالي، منوشهر متكي: “الحرب البرية تعني أن نستولي على إحدى القواعد الأميركية في العراق أو الكويت أو البحرين”.
وفي الوقت نفسه، يقول محمد باقر قاليباف إن إيران لا تزال تملك أوراقًا لم تلعبها، ويصف الإجراءات الأميركية المختلفة بأنها “حرب متعددة الأوجه” تجري هذه الأيام بشكل أكبر في المجال الاقتصادي. ومِن ثمّ، إذا اتخذت الولايات المتحدة إجراءً ضد إيران، مثل الحصار، فيمكن لطهران الرد من خلال فرض الحصار على هذه الدول. ولهذا يقول نائب في البرلمان، مثل حميد رضا حاجي بابائي: “يجب ألا نسمح بإنشاء خطوط أنابيب نفط جديدة وتصدير النفط عبر مسارات من شأنها إضعاف مضيق هرمز”.
ولكسر هذا الضغط، منحت طهران “محور المقاومة”، ولا سيما الحوثيين، دورًا محوريًا. فهذه القوى تستطيع في الواقع توزيع المخاطر، وفي الوقت نفسه يمكنها إبقاء أسعار النفط مرتفعة من خلال تهديد شرايين التجارة.
وأحد الأسباب الرئيسية وراء إبقاء النظام الإيراني مضيق هرمز مغلقًا هو رفع أسعار النفط، إذ تعتبر هذا الارتفاع جزءًا من انتصارها في المعركة، ولذلك تريد، بأي وسيلة ممكنة، تثبيت سيادتها على هذا الممر المائي.
وأعلنت طهران أن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه ما لم تنهِ الولايات المتحدة الحرب والحصار وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة. ويقدم النظام إغلاق المضيق ليس مجرد إجراء انتقامي، بل باعتباره ضمانة لتنفيذ مطالبه، ويضع نفسه في موقع المطالب بتنفيذ الاتفاق، في حين يتحدث البعض في إيران، وكذلك الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن انتهاء “مذكرة التفاهم” هذه.
إغراء الحرب البرية والمكمن الذي يختل فيه الحساب
بعد انتهاء الحرب التي استمرت 40 يومًا، أعلنت إيران أنه في حال اندلاع حرب أخرى، فإنها ستكون حربًا عابرة للحدود الإقليمية. ومع ذلك، ففي الاشتباكات التي أعقبت وقف إطلاق النار، والتي عُرفت باسم “الحرب الثالثة”، واصلت طهران تبني استراتيجية الحرب الإقليمية، مع اختلاف أن معظم هجماتها خلال هذه المرحلة استهدفت البحرين والكويت، بينما كانت الإمارات الهدف الرئيسي لهجماتها خلال “حرب رمضان”.
واللافت بعد الهجوم المشترك الأميركي والإسرائيلي في 28 فبراير (شباط) الماضي، هو ظهور نوع من الاستياء في طهران من حجم الضربات التي وُجّهت إلى الدول العربية في المنطقة الخليجية، ولا سيما الإمارات والكويت والبحرين.
وخلال الأشهر الماضية، تعرضت هذه الدول لتهديدات متكررة عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. وكان نواب في البرلمان وشخصيات إعلامية، مع تأكيدهم ضرورة شن هجمات أشد، يرون أن هذه الدول الثلاث لم “تُعاقب” كما ينبغي، إلى حد أن البعض تحدث حتى عن ضرورة تغيير أنظمتها.
لكن يمكن أيضًا النظر إلى الضربات التي استهدفت البحرين والكويت باعتبارها استراتيجية جديدة لطهران تقوم على “إزالة الحلقات الأضعف لدى العدو”، بالتزامن مع الضغط من أجل إخراج الولايات المتحدة من المنطقة.
وبالنسبة إلى النظام الإيراني، فإن استهداف هذين البلدين أقل تكلفة من الناحية الفنية، لكنه أكثر أهمية عسكريًا، وكذلك من حيث الرسالة السياسية؛ لأن بعض أهم القواعد الأميركية موجودة في هذين البلدين، وطهران تريد عمليًا أن تقول لواشنطن إن تكلفة البقاء في المنطقة ارتفعت.
لكن هذا النهج للنظام الإيراني لم يبقَ دون رد، بل قد يصبح أكثر تكلفة. ويرى خبير العلوم السياسية في مؤسسة “راند” للأبحاث، رافائيل كوهين، أن مهاجمة دول لم تكن أعداء رسميين وضعت الدول المستهدفة في موقف يجعلها “قد تضغط من أجل وقف إطلاق النار بقدر ما قد تنضم إلى الجبهة المقابلة لطهران”.
وقد اتخذت دول المنطقة بالفعل إجراءات في هذا الصدد. ففي الأشهر الماضية، أجرت بعض الدول العربية الخليجية مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، كان بعضها مخصصًا لعمليات برية.
كما تتشكل تحالفات إقليمية أيضًا، وأهمها اصطفاف السعودية وتركيا وباكستان في إطار “اتفاق مكة الدفاعي”، الذي يعتبر الهجوم على أي عضو هجومًا على جميع الأعضاء.
ومن جهة أخرى، تسعى الدول العربية الخليجية إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية أيضًا، من بينها الإمارات التي علقت تعاملاتها التجارية والمالية مع إيران بعد ما وصفته بإطلاق صاروخ على أراضيها، وهناك احتمال بأن تتبنى دول أخرى، ولا سيما استجابة لطلب ترامب، النهج نفسه.
ومع ذلك، وعلى الرغم من جميع المخاطر التي يمكن أن يحملها استمرار النزعة الحربية والحرب الإقليمية، يبدو أن الحرب الإقليمية بالنسبة إلى إيران هي الشكل الوحيد من أشكال المعركة الذي تكون فيه إمكانية الهزيمة أقل وإمكانية البقاء أكبر، ولا سيما في ظل الظروف التي يفرض فيها الحصار البحري ضغطًا اقتصاديًا شديدًا على البلاد، فيما أدت الخلافات الداخلية إلى زعزعة النظام السياسي بشكل ملحوظ.
وتعتقد طهران أن الولايات المتحدة ستطالب بتنازلات أكبر في المفاوضات المقبلة، وأن الوقت الحالي ليس مناسبًا للتراجع؛ ولذلك بنت استراتيجية مواجهتها على أساس إلحاق الضرر بدول مختلفة وتوزيع تكلفة الحرب.
ومن وجهة نظر طهران، فإن جرّ الحرب إلى أبعاد أوسع، بل ومحاولة تحويلها إلى حرب برية، يوفر وضعًا تصبح فيه التفوق الجوي للعدو أقل تأثيرًا وتزداد فيه قدرة القوات العسكرية للجمهورية الإسلامية.
وفي حسابات النظام الإيراني، لا يعني الانتصار التغلب على الولايات المتحدة، بل يعني البقاء وفرض المطالب. لكن هذا الحساب يعتمد على شرط واحد: أن يدفع عدد أكبر من اللاعبين الإقليميين والدوليين الثمن. وترى طهران أن هؤلاء اللاعبين أنفسهم، عندما تصبح التكلفة باهظة بالنسبة إليهم، سيكونون الوحيدين القادرين على إنهاء الحرب.



