مقالات

المعلم أثر وبناء

Listen to this article
 د. خالد بن عبداللطيف المالكي

ليس كل ما يُبنى يُرى، وليس كل أثرٍ يُقاس بما يتركه من ملامح في المكان؛ فهناك بناءٌ يبدأ من الإنسان، وأثرٌ يستقر في الوعي، ثم يمضي بصاحبه إلى حيث لا يستطيع أن يعرف حجم ما أحدثه من تغيير.

فالمعلم لا يقف أمام طلابه ليشرح درساً وينتهي دوره بانتهاء الحصة، بل يقف في واحدة من أكثر المهن اتصالاً بتكوين الإنسان، ويلتقي بعقول ما زالت في طور التشكل، وبشخصيات تبحث عن اتجاهها، وبأحلام صغيرة قد لا يعرف أصحابها بعد كيف يحولونها إلى واقع، ومن بين هذا كله، يمارس المعلم أثره الحقيقي.

قد ينسى الطالب تاريخ درس أو تفاصيل معلومة، لكنه نادراً ما ينسى معلماً جعله يشعر بأنه قادر، أو منحه ثقة في نفسه، أو تعامل مع خطئه باعتباره فرصة للتعلم لا سبباً للإحباط.

فالمعرفة التي يقدمها المعلم قد تمنح الطالب إجابة، لكن أسلوبه في التعليم قد يمنحه طريقة في التفكير، ونصيحته قد تعالج موقفاً عابراً، لكن قيم وسلوكياته قد تصنعان لدى الطالب معياراً يرافقه في مراحل حياته، ولهذا فإن أعظم ما يقدمه المعلم ليس ما يقوله فقط، وإنما ما يغرسه دون أن يشعر.

المعلم في جوهر رسالته بناء قبل أن يكون تعليماً؛ يبني عقلاً قادراً على الفهم، وشخصية قادرة على تحمل المسؤولية، وطموحاً لا يخشى المحاولة، وإنساناً يدرك أن العلم ليس غاية تُحفظ في الذاكرة، وإنما وسيلة لصناعة حياة أفضل.

ولأن بناء الإنسان يحتاج إلى صبر، فإن أثر المعلم لا يظهر دائماً بصورة عاجلة؛ قد تمر السنوات قبل أن يكتشف المعلم أن طالباً كان يجلس في أحد مقاعده أصبح متخصصاً، أو قائداً، أو مبتكراً، أو صاحب قرار، أو إنساناً صالحاً نافعاً لمجتمعه، عندها فقط تتضح حقيقة مهمة: أن بعض الأعمال لا تظهر نتائجها في نهايتها، بل تظهر في حياة الآخرين.

ومن هنا، فإن الاحتفاء بالمعلم لا ينبغي أن يكون احتفاء بمهنة تؤدي وظيفة تعليمية فحسب، بل تقديراً لدور يمس حاضر المجتمع ومستقبله في آن واحد.

فكل أمة تريد أن تستثمر في مستقبلها، لا تبدأ من المباني وحدها، ولا من التقنية وحدها، ولا من المناهج وحدها، بل تبدأ من الإنسان الذي يتولى صناعة الإنسان.

وفي المملكة العربية السعودية، يتعاظم هذا الدور مع ما يشهده قطاع التعليم من تحول وتطوير، وما تفرضه المرحلة من إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة والمرونة والقدرة على المنافسة والمساهمة في صناعة المستقبل، وفي قلب هذه التحولات يبقى المعلم عنصراً لا يمكن استبداله؛ لأن التقنية تستطيع أن توفر المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل القدوة، ولا أن تفهم احتياج طالب في لحظة تردد، ولا أن تلتقط موهبة قد لا يراها صاحبها في نفسه بعد.

فالمعلم هو من يمنح التعليم روحه الإنسانية، ولذلك فإن تقدير المعلم لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بمنحه المكانة التي تليق برسالته، وتمكينه من أدواته، وتطوير قدراته، والثقة بمهنيته، وتهيئة البيئة التي تساعده على أداء دوره بأفضل صورة، فكل استثمار في المعلم هو في حقيقته استثمار في أجيال لم تصل بعد إلى مواقعها، لكنها ستصل إليها يوماً ما.

وفي يوم المعلم، تتجدد أمامنا حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، أن الإنسان قد ينسى من علّمه معلومة، لكنه يتذكر طويلاً من علّمه كيف يؤمن بنفسه.

وهذه هي المسافة التي تفصل بين المعلّم الذي يشرح والمعلّم الذي يترك أثراً؛ فالأول يؤدي درساً، أما الثاني فيترك شيئاً منه في شخصية طالبه، والأول ينتهي دوره بانتهاء الحصة، أما الثاني فقد يستمر حضوره في قرار، أو موقف، أو نجاح، أو قيمة يحملها الطالب معه أينما ذهب.

لذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يقال للمعلم في يومه ليس مجرد شكراً على جهودك، بل شكراً لأنك كنت جزءاً من بناء الإنسان.

فالأثر الذي يصنعه المعلم قد لا يحمل اسمه، وقد لا يعرف صاحبه أنه كان وراءه، لكنه يبقى حاضراً في تفاصيل كثيرة من حياة من علّمهم.

المعلم أثرٌ يبدأ في قاعة الدرس، وبناءٌ يبدأ بتعليم عقل صغير، يمتد أثره ليصنع مستقبل وطن، فطوبى لمن كانت مهنته بناء الإنسان، ورسالته صناعة الأثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى