يُعدّ الإعلام والعمل التطوعي مجالين مهمين في خدمة المجتمع، لكنهما يختلفان اختلافًا جوهريًا في طبيعة الدور والمهام والأهداف، فليس كل متطوع إعلاميًا، وليس كل من يسعى إلى الظهور الإعلامي متطوعًا حقيقيًا؛ إذ يجب التمييز بين من يعمل لخدمة المجتمع، ومن يتخذ العمل التطوعي وسيلة للوصول إلى الواجهة الإعلامية بالحصول على تصاريح من صحف أو جهات معينة كمسمى فقط بدون عمل إعلامي حقيقي.
وتكمن الإشكالية عندما يستغل بعض الأشخاص الفرص التطوعية لبناء حضور إعلامي أو اجتماعي واستغلال للفئات المستحقة ممن يندرجون ضمن المسؤولية المجتمعية دون أن يكون هدفهم الأساسي تقديم خدمة حقيقية للمجتمع.
وإنما هدفهم تقليد شخصيات إعلامية حقيقية ذوي باع طويل بالمجال الإعلامي كرست خبرتها لدعم العمل التطوعي، وهنا الفرق جليًا بينهما.
ومن أبرز المظاهر:
الاهتمام بالتصوير والتوثيق أكثر من الاهتمام بتنفيذ المبادرة.
السعي إلى الظهور في الصور والمنصات الإعلامية بدلًا من المشاركة الفعلية.
استغلال أسماء الجمعيات ومبادراتها لتحقيق مكاسب شخصية أو توسيع العلاقات.
تقديم الذات بوصفها صاحبة الإنجاز، مع تهميش جهود الفريق والمؤسسة.
الانتقال من التطوع إلى المطالبة بأدوار إعلامية أو مناصب لا تستند إلى الخبرة والكفاءة المهنية.
والإساءة للمنظومة المنتمي لها بسلوكيات أو مشاركة لا تليق بالجهة المنتمي لها.
دورنا هنا أن نحمي العمل التطوعي من الاستغلال، ونضع معايير واضحة للمشاركة التطوعية وتوزيع الأدوار والمسؤوليات.
واعتماد سياسة إعلامية تنظم التصوير والنشر والتصريحات باسم الجمعية.
ووثيق الإنجازات باسم المؤسسة والفريق مع حفظ حقوق كل مشارك.
وتقييم المتطوعين وفق ساعات المشاركة وجودة الأداء والأثر الفعلي، لا وفق الشهرة وعدد المتابعين.
إسناد المهام الإعلامية المتخصصة إلى أصحاب الخبرة والكفاءة، وعدم الخلط بين صفة المتطوع وصفة الإعلامي المحترف والرسمي.
ويبقى العمل التطوعي قيمة إنسانية وممارسة مؤسسية تقوم على العطاء والمسؤولية، بينما الإعلام مهنة ورسالة تقوم على المعرفة والمصداقية والمهارة، ويمكن للمجالين أن يتكاملا دون استغلال لأحدهما، وقد تحدثت الدكتورة رئيسة العمري رائدة العمل التطوعي والإعلامية المعروفة عن هذا الموضوع فقالت:
إن العمل التطوعي ليس جسرًا مضمونًا للوصول إلى الإعلام، والإعلام ليس مكافأة على التطوع، بل لكل مجال معاييره واستحقاقاته.
والأهم أن نقيس نجاح المتطوع بما يتركه من أثر، لا بما يحصده من أضواء، وأن نقيس الإعلامي بما يقدمه من مهنية ومصداقية في تخصصه، لا بمجرد حضوره في المناسبات التطوعية.
بالأخير ما يصح إلا الصحيح، وما يبقى إلا الأثر الصادق، فالعطاء الحقيقي لا يحتاج إلى ادّعاء، والإنجاز الصادق تفرضه النتائج لا الأضواء.