رحلة الحج قديماً عبر السروات

عبد الحي ابراهيم الغبيشي
تتشابك نقاط البدء عندي في الحديث عن الحج وتتنوع روافدها وتنهمر معلومات هامه فيها وإن كان لابد من نقطةٍ أنطلق منها فلربما استحسنت نقطة فاصلة فيه وهي نقطة دور السروات التي منها غامد وزهران وبجيلة في امداد الحج ودور أبناء هذه المناطق قبل الحكم السعودي مقارنة بالعقود السابقة قبل أن يعم الرخاء هذه البلاد التي يسرت حكومتها رحلة الحج بجهود جبارة يقف خلفها قادة هذه البلاد الذين اتخذوا مسمى خادم الحرمين الشريفين لقباً لهم يجتمع معهم ويتبعهم الشعب السعودي الذي اتخذ خدمة ضيوف الرحمن شعارا له.
بادئ ذي بدء لم يكن الوصول إلى الأرض المقدسة في تلك الأزمان امراً هين لما كان يتعرض له الحجيج من مشقة وصعوبات ومخاطر وسلب ونقص في المؤن وانعدم الأمن.
وما اريد أن اذكره هنا هو دور هذه السروات ودورأبنائها في امداد وتموين قوافل الحج ومكة المكرمة بأحمال البر والعسل والسمن والزبيب واللوز وكذلك الأغنام والمواشي مما يهيئ لمكة المكرمة في تلك الأزمان أن تكون سخاءً رخاءً استجابة إلاهية لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولولا تلك المدد والمؤن لكانت مكة وقتها في شظف من العيش ومتى أخصبت هذه السروات عم الرغد في مكة. وقد ذكرت المصادر عن بعض الرحالة الذين وثقوا رحلة الحج امثال ابن جبير في القرن السادس الهجري وابن المجاور في القرن السابع الهجري: (فإذا دخلوا ـ أي السرويين ـ مكة ملؤوها خبزاً من الحنطة والشعير والسويق… ولذلك كان يقول أهل مكة: حاج العراق أبونا نكسب منه الذهب، والسرويين أمنا نكسب منهم القوت ) كما ذهب الى ذلك ابن بطوطه في القرن الثامن الهجري وهذا يؤكد أن بلاد السروات كانت بثرواتها الزراعية والحيوانية سلة غذاء مكة والحجيج ، وكان حكام الأشرف إذا حلت ضائق’ لاذوا بتلك السروات، وكان اؤخرها أحداث مرت من القحط في أحد مواسم الحج في بداية القرن الثالث الهجري فاستعان الشريف سرور بآل القفعي أحد حكام قبيلة زهران فأرسل الشيخ القفعي قافلة من أربعين جملاً محملة بالبر,
ولا يقل دور أبناء هذه المناطق أثراًعن الدورالذي قدمته السروات لأهل هذه المناطق فكانوا يستقبلون الحجيج القادمين من اليمن عبر السروات وما يعرف” بالعصبة “في محطات معروفة في بني حسن وقرية مشنية ودوس آل نعمة وغيرها، وتوارد أن الكثير من الموسورين من زهران لهم مضافة للحجاج، ولعلنا نذكر المؤرخ قينان رحمه الله في مؤلفه بيت من زهران تحدث فيه عن عطية بن فاران وما كان يقدم للحجاج في مضافة ومصحة للمرضى من الحجاج – رحمه الله – وغيره من زهران الكثير والكثير.. لعل الوقت يسعفنا لنكمل مشروع أستاذنا المؤرخ قينان عن كرم زهران بصفة عامة فقد كان يردد كل زهراني حاتم.
كان البيت من زهران عند مرور الحجاج العصبة، يكرمونهم ويكفونهم مؤونة الشراب والطعام وكذلك العلاج بتوفير أماكن مخصصةً للراحة وللتطبيب والعزل ومن أشهرها كما تحدثنا أنفا بيت ابن فاران في دوس وتحديدا في بيته وعند مزرعته في تربة زهران، وكان أهل الديار التي يمرون منهاـ احياناًـ يتقايضون معهم بعض السلع وربما استقطبوا بعض الفقهاء والمعلمين ممن يجيد القراءة والكتابة للإمامة وتعليم الصبية اضافة إلى ان الاهالي يقومون ب توفير الراحة والأمن والحماية لقوافل الحجيج طيلة البقاء بينهم الى مغادرتهم .
وحتي الحجيج من أبناء هذه المناطق لم يكونوا بمأمن من هذه المخاطر وتلك الصعوبات ،حيث كانت تستغرق الرحلة المباركة بين مكة والمدينة الشهروالشهرين وكان من عادات أهل هذه القرى الاحتفال بالحجيج عند عودتهم وهم لا يدخلون القرى إلا في بواكير اليوم يشرقون حتي يتسنى الإحتفال بهم، ومن لم يرجع منهم وكتب الله له الشهادة لما كانت تتعرض له قوافل الحج من السرقات والنهب والأمراض والأوبئة والكوارث فلا يكترثون بذلك وإنما يستبشرون على أنه سيبعث يوم القيامة ملبياً بإذن الله يقول أحمد بن محمد أحد الشعراء الشعبيين عند وصوله ومرافقيه من رحلة الحج التي كانت سيرا على الأقدام مايلي :
ابن موسى يقول سبحان من سير بن آدم وسار
سيرة ما اليمن للشام وان شاء من الشام اليمن
سيرة حيث لا يعلم وهو له بعد في الهجرة مده
وإن وفي قادره فكرامة النفس من حيث بتفيض
السعيد الذي تاجي وفاته من الطائف وشاما
أما في مكة وإلا في بقيع المدينة جت وفاته
يوم يبعث رسول الله ما يبعثون إلا معه
وخير ما نستوفي به مقالنا قول سيد المرسلين- صلى الله عليه وسلم- الحج المبرور ليس له جزاءً إلا الجنة والله من وراء القصد والهادي الى سواء الصراط.


