مقالات

جميعهم خسروا..

Listen to this article

 الباحث الأمني لواء م/ طلال محمد ملائكة

كنت أتمنى، كمتخصص، أن أمتلك مركز أبحاث علميًا مؤقتًا يتكوّن من فريق متعدد التخصصات لا يقل عن 20 إلى 30 باحثًا في مجالات الاقتصاد السياسي، المحاسبة العسكرية، التحليل الاستخباراتي، الاستقصاء الاجتماعي، والرأي العام، بهدف تقديم تقييم علمي منهجي للخسائر الشاملة التي تكبدها الطرفان في الجولة الأولى من الحرب بين إيران وإسرائيل.

أولًا: خسائر القوى العسكرية

يتطلب تقييم الخسائر العسكرية مركزًا معلوماتيًا استخباراتيًا عالي الاحتراف، يُعنى بتحليل البيانات شبه المؤكدة المتعلقة بـ:

  • تدمير المعدات والآليات الحربية بأنواعها (جوية، بحرية، برية).
  • حجم الإصابات والوفيات العسكرية بحسب الرتب والوظائف.
  • نسبة الاستنزاف في القوة القتالية.
  • تقدير قيمة الخسائر العسكرية بالدولار الأمريكي وفق معايير المحاسبة العسكرية المتبعة في تقارير حلف الناتو أو مراكز الدراسات الأمنية مثل SIPRI.

ثانيًا: الخسائر الاقتصادية الوطنية

الخسائر المدنية في كلا الجانبين تضمنت:

  • استهداف منشآت حيوية مثل المصانع، محطات الكهرباء، التحلية، وتكرير النفط.
  • توقف بعض سلاسل التوريد الداخلية.
  • اضطرابات في الأسواق المالية، لا سيما في البورصات والأسواق الثانوية.

وتشير تقارير اقتصادية مثل ما صدر عن “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” إلى أن الحرب سبّبت حالة “ركود جزئي قصير الأمد” في بعض القطاعات الحيوية لكلا البلدين، خاصة في إيران التي تعاني أصلًا من عقوبات اقتصادية خانقة.

ثالثًا: الرأي العام والتحولات النفسية

من خلال وحدة استطلاع الرأي ضمن هذا المركز الافتراضي، يمكن تحليل اتجاهات الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، مع التركيز على:

  • تغير مستويات الدعم الشعبي للحرب في إيران وإسرائيل.

  • الانقسام المجتمعي في دول الجوار مثل العراق وسوريا ولبنان والأردن.
  • التوتر النفسي والتعبئة المعنوية، وتفاوتها بين الجولة الأولى وقبل اندلاع العمليات.

تشير نماذج تحليل النزاع (مثل نموذج Galtung) إلى أن الحروب ذات الطابع النفسي تُحدث هزات داخل المجتمعات، قد تتجاوز الخسائر المادية نفسها.

رابعًا: الوضع السياسي الداخلي

يتطلب هذا المحور:

  • تحليل مؤشرات الاستقرار السياسي لكلا الطرفين (تماسك، شروخ داخلية، وحدة القرار).
  • تقييم الدعم الداخلي للقيادات السياسية، وتأثير الحرب على شرعيتها.
  • مدى تأثير الإعلام المحلي والخارجي على صناعة القبول الشعبي أو المعارضة للحرب.

مركز بحثي مؤقت.. ضرورة استراتيجية

المركز الذي أتصوره، يعمل وفق مراحل زمنية:

  • تقرير أولي خلال أول 30 يومًا.
  • تقارير تقييم شهرية تكميلية.
  • تقرير نهائي بعد انتهاء الحرب، يصدر وفق المعايير الأكاديمية في دراسات النزاعات.

خلاصة الرؤية:

الكل خاسر في هذه الجولة: إيران، إسرائيل، دول الخليج، العراق، سوريا، لبنان، والأردن.. الجميع أدرك الآن حجم التهديدات، واستوعب أن الجولة الأولى من الحرب لم تكن سوى اختبار قوة واستعداد لما هو قادم، لو تطورت الحرب إلى جولات لاحقة.

كما أن الحرب النفسية، التي سبقت العمليات العسكرية ورافقتها، فقدت تأثيرها بدرجة كبيرة، بعد أن تلمّس المواطن العربي خصوصًا في الخليج والعراق ولبنان وسوريا حقيقة الوضع دون تهويل إعلامي.

خاتمة:
لقد آن الأوان لصناعة مراكز بحثية عربية مستقلة ومحايدة، تُحلل بعمق ما يجري حولنا من صراعات، وتضع نتائج علمية لا تعتمد على الشعارات، بل على الأرقام والمؤشرات والتقارير الدقيقة.

حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين، قيادة وشعبًا، من كل سوء.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى