مقالات
نقطة ضعف طهران القاتلة.. ماذا لو ساندت واشنطن دول الخليج استقلال الأحواز ٢-٢ ؟

أ. صالح بن خميس الكناني
يُطرح ملف الأحواز العربية اليوم ليس مجرد قضية حقوقية محلية، بل بوصفه مشروع “استعادة دولة” ذات سيادة بالدرجة الأولى. وهو الملف الكفيل بإشغال قيادة الحرس الثوري الإيراني بنفسه ودائرته الداخلية، بدلاً من التفرغ لخلق الفوضى الحربية والانتقامية في المنطقة وفق استراتيجية “من ليس معنا فهو ضدنا”. تهدف طهران من خلال هذه الاستراتيجية إلى بسط الهيمنة الإقليمية عبر ترسانتها الصاروخية المتطورة – من صواريخ باليستية وانشطارية وطائرات مسيّرة – وتوظيف أذرعها المسلحة في العراق واليمن ولبنان وغزة.
وهذا ما يقودنا عند قراءة بنود اتفاقية 1907م إلى استحصار النقاط التالية:
أولاً: الخلفية التاريخية لاتفاقية 1907 وإعادة التدوير الدولي:
إذ تثير التحولات الجيوستراتيجية التساؤل حول ظروف شيطنة النظام الإيراني وصولاً إلى المشهد الحالي، ولماذا تتجاهل أدبيات السياسة الدولية الاتفاقية الأنجلو-روسية الموقعة عام 1907، التي وضعت إطاراً لتقسيم إيران إلى مناطق نفوذ بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية البريطانية.
النص التاريخي لاتفاقية 1907 بشأن فارس (إيران):
وقّعت بريطانيا وروسيا هذه الاتفاقية في 31 أغسطس 1907 في سانت بطرسبرغ، ونصت مادتها الأولى والثانية على تقسيم إقليم فارس إلى ثلاث مناطق:
-
المنطقة الشمالية (النفوذ الروسي): تمتد من قزوين وطهران حتى الحدود الشمالية، وتخضع بالكامل للنفوذ والتجارة الروسية.
-
المنطقة الجنوبية (النفوذ البريطاني): تمتد على طول الخليج العربي والمحيط الهندي وصولاً إلى الحدود الهندية، لضمان حماية طرق التجارة الإمبريالية البريطانية ومنابع النفط.
-
المنطقة المحايدة: شريط فاصل في الوسط يضمن عدم التصادم المباشر بين القوتين.
إن إعادة استحضار روح هذه الاتفاقية في الأروقة الدولية اليوم، بالتوازي مع دعم حق الشعب الأحوازي في استقلال دولته التي كانت تتمتع بشخصية اعتبارية وسيادية مستقلة (إمارة عربستان برئاسة الشيخ خزعل الكعبي حتى احتلالها عام 1925)، يُمثل مدخلاً قانونياً وتاريخياً لإنهاء التمدد الإيراني، وتفكيك نتائج الضم القسري وسياسات التهجير والتغيير الديموغرافي التي مورست بحق عرب الأحواز.
ثانياً: خطة التضييق وحماية الملاحة الدولية:
إن استعادة السيادة الأحوازية وتأمين شريطها الساحلي الممتد على الخليج العربي وصولاً إلى الإشراف المباشر على مضيق هرمز سيعيد رسم خارطة الطاقة والأمن البحري ويمكن امتداد الحدود الجغرافية والتحالفات الإقليمية من الأحواز لتشمل كامل الشريط الساحلي الممتد جنوباً حتى بحر العرب، وصولاً إلى الحدود الباكستانية شرقاً. ويتطلب ذلك صياغة معاهدات دولية صارمة تضمن عدم إغلاق المضايق البحرية أو تعطيل حرية الملاحة والتجارة العالمية، سواء في أوقات السلم أو الحرب.
تتكامل هذه الخطوة مع استراتيجية شاملة لتفكيك الأذرع الإقليمية الإيرانية (الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، وتجفيف منافذ التغلغل في فلسطين)، مما يؤدي إلى:
-
شلّ قدرة النظام على المبادرة وتكسير نفوذه الإقليمي.
-
استصدار قرارات أممية تُصنّف النظام الإيراني كـ”دولة رعية للإرهاب”.
-
وضع المنشآت النووية ومصانع الصواريخ والمسيّرات تحت البند السابع لشرعنة شلّ قدراتها التسليحية.
ثالثاً: الداخل الإيراني والتنوع العرقي والمذهبي:
يعتمد الحفاظ على التوازن الإقليمي أيضاً على تحريك ملفات الداخل الإيراني، عبر دعم تطلعات القوميات غير الفارسية (الأحوازيين، البلوش، الأكراد، والآذريين)، ونشر ثقافة التعايش والتسامح، وإعادة الاعتبار للمكون السني وتأمين حقوقه الدينية والمكفولة دولياً في بناء المساجد ودور العلم.
رابعاً: الملاحظات النقدية والعقدية على الطرح المذهبي للنظام الإيراني حيث تعتمد التعبئة السياسية للنظام الإيراني على أيديولوجيا مذهبية وظّفت بعض الفتاوى والأطروحات الجعفرية في خدمة مشروع “ولاية الفقيه” وتصدير الثورة. وتستند المراجعات العلمية لمقارنة هذه الأطروحات بالنصوص الإسلامية الشارحة إلى عدة محاور رئيسية:
1. مسألة العصمة والإمامة:
يعتقد النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه بأن الأئمة يملكون سلطة تشريعية وتنفيذية مطلقة شأنهم شأن الأنبياء.
-
الموقف من القرآن والسنة: يقرر التشريع الإسلامي في القرآن الكريم أن العصمة للأنبياء والرسل فيما يبلغون قال الله تعالى في وصف نبيه ﷺ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].
ويؤكد علماء أصول الفقه أن جميع أحكام الشريعة قد اكتملت بوفاة النبي ﷺ، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3].
2. عقيدة “ولاية الفقيه المطلقة” وتوظيفها السياسي
قام الهالك الخميني بتطوير مفهوم “ولاية الفقيه” ليعطي الفقيه الصلاحيات المطلقة ذاتها الممنوحة للنبي والأئمة في الفكر الإمامي، وهو ما أدى إلى تسييس الدين لمصلحة التوسع الإقليمي.
-
الموقف النظري: ترى المدرسة الأصولية الجامعة أن الحاكم مجتهد يخضع للمساءلة والمشورى وليس حائزاً على تفويض إلهي مطلق:
قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]
3. موقف التشريع من الصحابة وآل البيت
اعتمد التعبئة الإيرانية على أدبيات الطعن في عدالة الصحابة وتجريح أمهات المؤمنين لتعميق الفجوة المذهبية في المنطقة.
-
الموقف الشرعي الأصيل: ثبّت القرآن عدالة الصحابة ورضوان الله عليهم جميعاً دون استثناء:
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].كما أجمعت المصادر الإسلامية على وجوب محبة آل البيت والصحابة معاً وتأكيد صلات القرابة والمصاهرة بينهم.



