
الغَيْمَةُ والقَفْرُ
قَالَتِ الْغَيْمَةُ لِلْقَفْرِ الْيَبَابْ
وَهْيَ تَرْنُو مِنْ بَعِيدٍ لِلسَّرَابْ
مِنْ غَدٍ أَثْوِي عَلَى تِلْكَ الْهِضَابْ
مِنْ غَدٍ يَخْضَرُّ بِالْمُزْنِ التُّرَابْ
لَمْ يُصَدِّقْ وَعْدَهَا الْقَفْرُ الْعَنِيدْ
رُبَّمَا لَمْ يَفْهَمِ الْمَعْنَى الْبَعِيدْ
أَوْ رَأَى فِي لُغَةِ الْوَعْدِ الْوَعِيدْ
فَاللُّغَاتْ؟ نَسِيَ الْقَلْبُ اللُّغَاتْ
وَالصَّبَابَاتُ نَسِينَ الْأُمْسِيَاتْ
أتُرَى مَاتَ وَلَمْ يَدْرِ الْمَمَاتْ؟
لَا تَقُولِي سَوْفَ يَأْتِي
فَأَنَا عِفْتُ الْأَمَلْ
صَهَلَ الْحُزْنُ بِوَقْتِي
كُلُّ شَيْءٍ قَدْ رَحَلْ
أَنْتِ عَنْ دَرْبِيَ مِلْتِ
لَمْ تَعُدْ تُغْنِي الْقُبَلْ
إِيهِ يَا دِيمَةُ، يَا بِنْتَ الْعُبَابْ
قَدْ أَلِفْتُ الْعَيْشَ فِي غَمْرِ الصِّعَابْ
وَفَقَدْتُ الشَّهْدَ مِنْ رِيقِ السَّحَابْ
لَمْ أُعَانِقْ فِي الْهَوَى إِلَّا الْعَذَابْ !
ضَحِكَتْ نَشْوَانَةً تِلْكَ السَّحَابَهْ
وَتَمَنَّتْ لَوْ سَلَا الرَّمْلُ عِتَابَهْ
وَمَضَى يَبْعَثُ فِي الْقَلْبِ اضْطِرَابَهْ
وَغَدًا – قَالَتْ – سَأُنْسِيهِ اكْتِئَابَهْ
صَمْتَ الْقَفْرُ طَوِيلًا وَبَكَى
وَعَلَى كُثْبَانِهِ الظَّمْأَى اتَّكَا
مَا الَّذِي يُجْدِيهِ نَفْعًا لَوْ شَكَا
كَانَ صَبًّا يَكْتَوِي فِي صَمْتِهِ
عَاشِقًا، لَكِنْ يَخَافُ الشَّرَكَا
عبد العزيز محيي الدّين خوجة



