مقالات
معالي وزير التعليم.. فروع جامعة الباحة بالمحافظات قرار ينتظره المكان والإنسان

أ. صالح بن خميس الزهراني
ارتبط نمو منطقة الباحة تاريخياً بالنشاط الزراعي للآباء والأجداد، مثلما يرتبط في حاضرنا بمدى انتشار التعليم بمختلف مراحله وصولاً إلى التعليم العالي في محافظاتها.
حيث شكّلت الكليات الجامعية في قطاعات الشمال والغرب صمام أمان لاستقرار السكان في قراهم ومواطنهم. إلا أن التحول الأخير الذي أجرته جامعة الباحة بتحويل الكليات الفرعية في المحافظات إلى برامج دبلوم في أقسام محدودة، أحدث أثراً عكسياً غير متوقع في البنية الديموغرافية للمنطقة؛ إذ أسهم هذا التقليص في تجدد موجات الهجرة العكسية نحو المدن الكبرى، بحثاً عن كليات تخصصية تمنح درجات البكالوريوس والماجستير وصولاً إلى الدكتوراه، وتلبي طموحات الجيل الجديد من الأبناء والبنات.
من هنا، نرفع تساؤلاً استراتيجياً ملحاً إلى طليعة التطوير ومظلة التعليم في وطننا، معالي وزير التعليم: ماذا لو استعادت جامعة الباحة مستهدفاتها السابقة بفتح فروع جامعية متكاملة ومستقلة، وتحديداً في محافظة المندق (شمالاً) ومحافظة الحجرة (تهامة غرباً)؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل ترسم خارطة طريق واضحة لإعادة هندسة التنمية المستدامة في المنطقة، وتتلخص مكاسب هذا القرار المرتقب في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: الاستقرار الديموغرافي وعودة السكان
دون أدنى شك معالي الوزير، فإن توفير كليات تستوعب طموحات الأبناء والبنات في تخصصات البكالوريوس الحيوية (كالتقنية، والإدارة، والعلوم التطبيقية وغيرها) داخل المندق والحجرة، سيمثل نقطة جذب حاسمة تُنهي هجرة الأسر. بل إن هذا القرار سيدفع الكثير من العائلات المهاجرة للعودة إلى مواطنها الأصلية، مستفيدة من توفر التعليم الجامعي النوعي بالقرب من منازلها ومزارعها، مما يخفف العبء والضغط السكاني عن المدن الرئيسية.
ثانياً: إحياء الأراضي الزراعية والأمن الغذائي
تتميز محافظات الباحة، وخصوصاً المندق والحجرة، بثروة زراعية ومدرجات خصبة هُجرت وتأثرت بفعل نزوح السكان. وعودة الاستقرار البشري المرتبط بالجامعة يعني تلقائياً إعادة إحياء هذه الأراضي، وضخ دماء جديدة في القطاع الزراعي، واستثمار وعي الشباب الجامعي في تطوير مزارع أجدادهم بأساليب حديثة مع وجود جمعيات زراعية، مما يدعم السياحة الريفية والاقتصاد المحلي تماشياً مع أهداف الأمن الغذائي للمملكة.
ثالثاً: تنمية المكان واستدامته اقتصاديًا
الجامعة في مفهوم التنمية الحديثة ليست مجرد قاعات ومبنى تعليمي، بل هي محرك اقتصادي شامل. وجود فروع متكاملة للبكالوريوس سيخلق حركة تجارية وعقارية قوية ونوعية في المندق والحجرة، وسيفرز فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأهالي المحافظات، مما يسهم في رفع جودة الحياة وأنسنة هذه المواقع، تحقيقاً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية كافة المناطق بشكل متوازن وبما يتوافق مع ميزاتها النسبية.
وما بقي لنا في الختام إلا التأكيد على:
إن رسالتنا لوزير التعليم تنطلق من إيماننا بأن إعادة النظر في المسارات الأكاديمية لجامعة الباحة في المحافظات، وتحويلها من “دبلومات مجتزأة” إلى “فروع تخصصية متكاملة تمنح البكالوريوس”، لم يعد مطلباً تعليمياً فحسب، بل هو قرار تنموي استراتيجي تترقبه المنطقة لربط الإنسان بأرضه، وإحياء مكان يمتلك كل مقومات النماء والعطاء. وكُلنا ثقة في حرص معالكم على دفع عجلة النماء التعليمي في هاتين المحافظة كما نجد لكل شبر من وطننا الغالي.
خاصة إذا استنطقنا رؤية السعودية 2030، التي نجدها تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من تطوير الإنسان عبر نظام تعليمي مرن وحديث، قادر على بناء كفاءات وطنية تنافس عالميًا. ومع تنامي هذه الفرص، يتضاعف دور الباحثين والطلاب في قيادة التحول الوطني

