مقالات

عبدالله محمد الكناني.. مهندس المشهد السياحي وصانع فعاليات المندق

Listen to this article

أ. سعود خضران الزهراني

ليست المدن العظيمة بما تمتلكه من مقوماتٍ طبيعيةٍ فحسب، وإنما بعقول رجالها، وبمن يؤمنون برسالتها، ويُحسنون استثمار إمكاناتها، ويحولون جمالها إلى حراكٍ، وحراكها إلى اقتصادٍ، واقتصادها إلى قصة نجاحٍ تُروى.

وحين يُستعرض المشهد السياحي والترفيهي في محافظة المندق، فإن اسم عبدالله محمد الكناني يتقدم بوصفه أحد الأسماء اللامعة التي كان لها حضورٌ مؤثرٌ وإسهامٌ ملموسٌ في صناعة هذا الحراك، من خلال ما قدمه عبر مؤسسة «وسام البادية» للحفلات والفعاليات.

لقد اختار «أبو محمد» أن يكون النجاح أسلوب عملٍ لا محطةً عابرةً، وأن يجعل من الجودة مبدأً ثابتًا، ومن الاحترافية ثقافةً راسخةً، ومن الإبداع لغةً يتحدث بها كل مشروعٍ يتولى إدارته. فلم يكن ينظر إلى الفعالية على أنها مناسبةٌ مؤقتةٌ تنتهي بانتهاء ساعاتها، بل كان يراها مشروعًا متكاملًا يبدأ بفكرةٍ ناضجةٍ، ويقوم على تخطيطٍ دقيقٍ، وينتهي بأثرٍ ممتدٍ يبقى حفرًا في ذاكرة الزائر والمجتمع.

ولأن صناعة الفعاليات ليست عملًا تقنيًّا فحسب، بل هي فنٌ أصيلٌ يقوم على قراءة تطلعات الناس، وفهم طبيعة المكان، واستشراف التفاصيل قبل وقوعها؛ فقد امتلك «أبو محمد» هذا الحِسَّ الفريد، الذي جعله قادرًا على تحويل الأفكار المجردة إلى واقعٍ نابضٍ بالحياة، وعلى إدارة أدق التفاصيل بثقةٍ واقتدارٍ، حتى أصبحت أعماله تُعرف وتميز قبل أن يُعرف أصحابها، وتُشيد بها النتائج قبل أن تتحدث عنها الكلمات.
ومن يتابع مسيرته يدرك أنه لا يكتفي بتنفيذ الفعاليات النمطية، بل يصنع لها هويةً بصريَّةً وثقافيةً، ويمنحها روحًا وجاذبيةً، ويحرص على أن تكون تجربةً متكاملةً يعيشها الزائر بكافة حواسه، لا مجرد برنامجٍ عابرٍ يشاهده. ولذلك جاءت أعماله متقنةً في تنظيمها، راقيةً في إخراجها، دقيقةً في تنفيذها، وهو ما رسخ حضوره كأحد أبرز صناع البهجة والترفيه في هذا القطاع.

وفي محافظة المندق، كانت لـ«أبي محمد» إسهاماتٌ استثنائية تستحق الإشادة والتوثيق؛ فقد أسهم بقوة في دعم الحركة السياحية والترفيهية، وأضاف للمحافظة فعالياتٍ نوعيةً ومبتكرة أسهمت في تنشيط الحركة الاقتصادية، وتعزيز حضور الأسر المنتجة، وإيجاد بيئةٍ جاذبةٍ مشوقة للعائلات والزوار، حتى أصبحت بعض المناسبات التي أشرف عليها من المحطات الرئيسية المنتظرة في المواسم السياحية كل عام.

وكان يؤمن دائمًا بأن نجاح الفعالية لا يُقاس بعدد المنصات أو حجم العروض، وإنما بما تتركه من أثرٍ مستدامٍ في المجتمع، وما تحققه من قيمةٍ مضافةٍ للمكان، وما تمنحه للزائر من تجربةٍ ثرية تستحق أن تتكرر. ومن هنا جاءت رؤيته مختلفةً ومغايرةً، تقوم على صناعة تجربةٍ سياحية متكاملةٍ، تُبرز هوية المندق الحقيقية، وتُظهر جمالها الطبيعي الأخاذ، وتُجسد أصالتها الثقافية، وتفتح في الوقت ذاته آفاقًا جديدةً للاستثمار السياحي والترفيهي الواعد.

ولم تتوقف بصمات «أبي محمد» الإبداعية عند حدود محافظة المندق فحسب، بل امتدت لتشمل مختلف محافظات منطقة الباحة، كما كان له حضورٌ مميزٌ وبصمة لافتة في منطقة تبوك، وغيرها من مناطق المملكة؛ حيث قاد ونفذ وأدار العديد من الفعاليات والمناسبات الكبرى، مقدمًا نموذجًا وطنيًّا مشرفًا في الإدارة والتنظيم، يجمع بين الخبرة الطويلة، والاحترافية العالية، والالتزام الصارم، وحسن التعامل المرن مع مختلف التحديات الميدانية.

ويمتلك «أبو محمد» شخصيةً قياديةً ملهمة تُجيد صناعة فرق العمل وتوجيهها، وتؤمن بأن النجاح الحقيقي هو ثمرة العمل الجماعي المتناغم، ولذلك حرص على بناء منظومةٍ احترافيةٍ داخل مؤسسته، تتكامل فيها الخبرات، وتتوزع فيها الأدوار بدقة، وتلتقي فيها الجهود نحو هدفٍ أسمى، وهو تقديم فعالياتٍ تليق بمكانة المملكة، وتحترم ذائقة الزائر، وتعكس صورةً مشرقةً ومشرفةً عن المنطقة.

كما لم يغفل الجانب التنموي والاجتماعي في أعماله، فكانت فعالياته دائمًا منصاتٍ حاضنةً لدعم الأسر المنتجة، وإبراز الحرفيين، وتمكين الشباب السعودي وفتح فرص العمل لهم، وتحريك الأسواق المحلية، وتعزيز النشاط الاقتصادي؛ وهو ما جعل أثر أعماله يتجاوز حدود الترفيه المجرد إلى الإسهام الحقيقي في التنمية المجتمعية المستدامة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من السياحة وجودة الحياة أحد أهم المحركات الأساسية للتنمية الوطنية الشاملة.

ولأن النجاح الحقيقي لا تمنحه الألقاب والصفحات، وإنما تصنعه الإنجازات على أرض الواقع، فقد استطاع «أبو محمد» أن يرسخ اسمه بحروفٍ من نور من خلال أعماله، وأن يجعل الاحترافية والاتقان عنوانًا بارزًا لكل مشروعٍ يشرف عليه، حتى أصبح محل ثقةٍ وتقديرٍ كبيرين لدى الكثير من الجهات الرسمية والأهلية، ومحل احترامٍ واعجابٍ لدى كل من تعامل معه أو تابع مسيرته المعطاءة.

إن المندق، وهي تمضي اليوم بخطىً واثقةٍ وطموحة نحو تعزيز مكانتها الريادية على خارطة السياحة السعودية، لتفخر وتعتز بأبنائها المخلصين الذين آمنوا برسالتها، وأسهموا في صناعة حضورها الاستثنائي، وكان «أبو محمد» واحدًا من هؤلاء الرواد الذين لم ينتظروا النجاح بل صنعوه بأيديهم، ولم يكتفوا برسم الأحلام بل حولوها إلى واقعٍ ملموسٍ يراه الناس ويستمتعون بأثره.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُختم به الحديث عنه، أنه لم يكن مجرد صانع فعالياتٍ وتجمعات، بل كان صانع أثرٍ باقٍ، ومهندس مشهدٍ متكامل، وشريكًا حقيقيًّا في كتابة فصلٍ ذهبيٍّ ومهمٍ من فصول الحراك السياحي والترفيهي بمحافظة المندق خاصة، ومنطقة الباحة عامة.

فهناك رجالٌ يمرون في ذاكرة الأماكن مرورًا عابرًا لا يترك أثرًا، وهناك رجالٌ يتركون في تفاصيل المكان بصمةً خالدة تبقى شاهدةً على إخلاصهم، وجدة فكرهم، وجودة أعمالهم، وإيمانهم الراسخ بأن خدمة الوطن شرفٌ، وأن النجاح الحقيقي هو ما يبقى أثره حيًّا بعد انقضاء كل فعاليةٍ، وانطفاء آخر الأضواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى