الرئيسيةقصص معبره

قصة وطن 🇸🇦

جنازةٌ لم يحضرها طويق

Listen to this article

قصة وطن🇸🇦

قصة : جنازةٌ لم يحضرها طويق

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

في المدينة الواقعة خلف سبعة منابر، اجتمعت سرًّا «لجنة ما بعد طويق». لم يكن طويق قد سقط، لكن اللجنة رأت أن انتظار سقوطه إضاعة للوقت، فقررت إعداد جنازته مسبقًا.

ترأس الاجتماع رجل يُدعى «خبير السقوط»، وقد أمضى نصف عمره يتنبأ بنهايات لم تقع، والنصف الآخر يشرح لجمهوره لماذا تأخرت.

فتح ملفًا أسود وقال:

— تؤكد مصادرنا أن طويق يعيش أيامه الأخيرة.

سأله «مراجع الحقائق»:

— وهل زارت مصادركم الجبل؟

أجابه الخبير بثقة:

— لا حاجة إلى زيارته؛ نحن نراه من الاستوديو أوضح مما يراه أهله.

جلس إلى جواره «تاجر النيات الحسنة»، رجل كريم في العلن، شديد الحرص على ألا يظهر اسمه في دفاتر الليل. وضع حقيبة على الطاولة وقال:

— هذه مساهمة متواضعة في تكاليف الجنازة، وأرجو تسجيلها تحت بند «دعم الاستقرار».

فتح أمين اللجنة الحقيبة، فوجد المال مرقّمًا، وبجانبه ورقة صغيرة كتب عليها: «يُصرف للحفّارين، ولا يُذكر اسم المموّل».

أما «ناقل المؤن» فقال:

— سأتولى إيصال الطعام إلى الحفّارين.

ابتسم أحد الحاضرين:

— وأين الطعام؟

ربت الناقل على الصناديق وقال:

— في الأعلى طحين، وفي الأسفل أشياء تساعدهم على فتح الشهية… وفتح الجبل أيضًا.

وحضر الاجتماع «صديق طويق القديم»، الذي كان يمدح الجبل نهارًا ويقيس مساحة أنقاضه ليلًا. قال بنبرة حزينة:

— يؤلمني ما سيحدث لطويق؛ لذلك حجزت لنفسي أول قطعة من أرضه بعد سقوطه، حتى تبقى ذكراه حية.

أُعجب المجتمعون بوفائه، وصفقوا له طويلًا.

بدأت الاستعدادات. صنعوا نعشًا ضخمًا، وطبعوا بطاقات كتبوا عليها: «تتشرف لجنة ما بعد طويق بدعوتكم إلى جنازة الجبل الذي قاوم طويلًا ثم فهم أخيرًا أن المقاومة لا جدوى منها».

اعترض الخطاط:

— لكنه لم يسقط بعد.

قال خبير السقوط:

— لا تكن أسيرًا للواقع؛ الإعلام الناجح يسبق الحدث.

نُصبت الكاميرات في مواجهة طويق، وارتدى المذيع بدلته السوداء، وجلس المتشفّون في الصفوف الأولى. بعضهم جاء ليودّع الجبل، وأكثرهم جاء ليتأكد أنه مات.

خلف المنصة، كان الحفّارون يعملون ليلًا. فريق يضرب الصخر، وفريق يحفر تحته، وفريق يلتقط الصور ثم يدّعي أن الشقوق طبيعية. وكلما انكسر معول، ظهر خبير السقوط على الشاشة ليقول:

— هذه علامة جديدة على انهيار طويق.

مرّ اليوم الأول، ولم يسقط الجبل.

قال المذيع:

— تأجل الانهيار لأسباب فنية.

ومرّ اليوم الثاني، وبقي طويق في مكانه.

قال:

— مصادرنا تؤكد أن الجبل سقط معنويًا، أما سقوطه الجغرافي فمسألة وقت.

وفي اليوم الثالث هبت عاصفة. فرح أعضاء اللجنة، وفتحوا البث المباشر، ووقف خبير السقوط أمام الكاميرا يصيح:

— إنها اللحظة التاريخية!

ضرب البرق أطراف الوادي، واشتد الغبار، واهتزت منصة الجنازة. وحين انقشع التراب، ظهر طويق ثابتًا تحت الشمس، بينما كانت منصة اللجنة قد مالت؛ لأن الحفّارين حفروا تحتها خطأً وهم يظنون أنهم اقتربوا من الجبل.

سقطت الكراسي، وانفتحت حقيبة تاجر النيات الحسنة، وتناثرت دفاتر التمويل أمام الكاميرات. تدحرجت الصناديق، فخرجت الأشياء المخبأة تحت الطحين. أما صديق طويق القديم، فكان أول الهاربين، بعد أن وضع في جيبه عقد الأرض التي لم يسقط صاحبها.

اجتمع أعضاء اللجنة في حفرة واحدة، وبدأ كل منهم يتهم الآخر.

قال المموّل:

— أخذتم المال ولم تسقطوا الجبل!

فرد الناقل:

— نقلنا كل شيء، لكن المذيع أقنعكم بأن الكلام يهدم الصخور!

صرخ خبير السقوط:

— لا تصوروا الحفرة من هذه الزاوية؛ سيظن المشاهد أننا نحن الذين سقطنا!

حلّ الصباح، ووصل بعض أهل طويق. وجدوا النعش فارغًا، والمنصة مائلة، واللجنة تتشاجر حول مَن يكتب بيان الانتصار.

سأل أحدهم المذيع:

— لمن أعددتم هذا النعش؟

أجاب وهو يطفئ الكاميرا:

— لطويق.

نظر الرجل إلى الجبل، ثم إلى النعش، وقال:

— لكنه ما زال قائمًا.

صمت المذيع لحظة، ثم تمتم:

— إذن سندفن الحقيقة… إن استطعنا العثور عليها.

ومن فوق القمة، بقي العلم السعودي يرفرف؛ لم يدخل في جدال مع المذيع، ولم يقرأ بيانات اللجنة، ولم يسأل عن مصادرها. كانت الشمس تصعد خلفه، وكان طويق ثابتًا كما كان قبل الجنازة، بينما غادر المدعوون يتجادلون: هل فشلت المؤامرة، أم أن الجبل خالف الخبر؟

كلمة الكاتب

هذه ليست حكاية جبلٍ من صخر، بل قصة وطنٍ ظن بعض خصومه أن كثرة الضجيج تهزّه، وأن المال الخفي يشتري سقوطه، وأن الطرق الملتوية تعبر دون أن تُكتشف. تناوب عليه العدو المعلن، والصديق المتلوّن، والمموّل المتخفي، والناقل الذي أخفى تحت مؤنه ما لا يشبهها، والإعلامي الذي أعلن النهاية قبل أن تبدأ.

لكن المملكة العربية السعودية كانت، وما زالت، وستبقى بحفظ الله، ثم بعزيمة قادتها وحكمتهم وقوتهم، ووعي شعبها وولائه؛ دولةً ثابتةً صامدة. تتبدل الوجوه والمنابر والوسائل، ويبقى طويق شاهدًا على وطنٍ أعلنوا سقوطه مرارًا، فبقي واقفًا يراقب سقوط أكاذيبهم.

محمد سعد القحطاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى