

حين تتكرر الوقائع… هل الخلاف مع الدول أم مع الإسلام؟
قراءة في حديث الإعلامي عشق بن محمد عن سياسات حكومة أبوظبي في اليمن والسودان وكشمير وفلسطين
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
لم يكن حديث الإعلامي والمحلل السياسي السعودي عشق بن محمد عن سياسات حكومة أبوظبي مجرد انفعال عابر أو خلاف سياسي بين دولتين؛ بل قراءة جريئة لمسار تتكرر ملامحه في عدد من البلدان العربية والإسلامية، حتى أصبح من المشروع طرح السؤال الذي اختتم به حديثه: هل الخلاف مع هذه الدول، أم مع الإسلام وقضاياه وشعوبه؟
فالسياسات الخفية لا تُعلن عادة في بيانات رسمية، ولا تقدم الدول وثائق تثبت تورطها في إضعاف بلد أو تمويل انقسام أو مساندة طرف على حساب شعبه. لكنها تُقرأ من الوقائع المتراكمة، ومسارات الأموال والسلاح، والجهات التي تحظى بالدعم، والنتائج التي تتكرر في أكثر من ساحة.
اليمن… حين اختلف الهدف داخل التحالف
بدأ عشق حديثه من اليمن، حيث دخلت الإمارات ضمن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، تحت هدف واضح ومعلن: استعادة الشرعية اليمنية، والتصدي للانقلاب الحوثي، وحماية اليمن والمنطقة من المشروع الإيراني.
لكن الأحداث كشفت لاحقًا اختلافًا جوهريًا بين المشروعين؛ فبينما تمسكت السعودية بوحدة اليمن وحكومته الشرعية، اتجهت أبوظبي إلى دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات وتشكيلات تعمل خارج سلطة الحكومة اليمنية.
ولم يكن ذلك مجرد اختلاف في الوسائل؛ لأن دعم كيان انفصالي داخل بلد يفترض أن التحالف جاء لاستعادة دولته أدى عمليًا إلى تعدد مراكز السلطة والسلاح، وإضعاف الشرعية، وانشغال القوى المناهضة للحوثي بصراعات داخلية استفاد منها الانقلابيون.
وقد أكد فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن أن دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي أضعف الحكومة اليمنية، رغم أن الإمارات كانت عضوًا في تحالف استعادة الشرعية.
والنتيجة التي لفت إليها عشق واضحة: محافظات جنوبية أنهكها الصراع، وخدمات تعطلت، وفقر وبطالة واضطراب أمني، بينما بقي الحوثي متماسكًا في مناطق سيطرته، مستفيدًا من انقسام خصومه.
فإذا كان الهدف استعادة الدولة، فلماذا دُعمت قوى تنازع الدولة سلطتها؟ وإذا كان الهدف تحرير اليمن، فلماذا تحولت الجغرافيا المحررة إلى كيانات متنافسة؟
السودان… الحرب التي تجاوزت حدود الداخل
لم يتوقف المسار عند اليمن، بل ظهر بصورة أكثر دموية في السودان. فقد تحولت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية، وسقط المدنيون بين القصف والجوع والنزوح والقتل والانتهاكات.
وتحدث عشق عن دعم وتأجيج للصراع، وهو حديث لا يقف على فراغ. ففي مايو 2025 أعلنت منظمة العفو الدولية أنها حددت أسلحة صينية متطورة استُخدمت في السودان، ورجحت أنها أُعيد تصديرها عبر الإمارات إلى قوات الدعم السريع. كما وثقت المنظمة وجود أسلحة ومعدات حديثة من دول عدة داخل الحرب السودانية، بينها الإمارات.
وقد نفت أبوظبي هذه المعلومات، وأكدت أنها لا تسلح أي طرف سوداني. لكن النفي الرسمي لا يلغي حق الصحافة والرأي العام في فحص الأدلة الميدانية، وتتبع الأسلحة، ومساءلة الجهات التي تتكرر أسماؤها في تقارير المنظمات والتحقيقات الدولية.
أما إسقاط محكمة العدل الدولية الدعوى التي أقامها السودان ضد الإمارات، فلم يكن حكمًا ببراءة أبوظبي من الوقائع، بل قرارًا قائمًا على عدم اختصاص المحكمة بسبب التحفظ الإماراتي على المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية. ولذلك لم تبحث المحكمة أصل الاتهامات ولم تحكم بصحتها أو بطلانها.
السؤال هنا ليس قانونيًا فقط: لماذا تظهر الأدوات والنتائج ذاتها؟ دولة ضعيفة، جيشان أو أكثر، تمويل خارجي، حرب طويلة، وانقسام يجعل إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة.
كشمير… عندما يصبح الاحتلال «شأنًا داخليًا»
أشار عشق إلى الموقف من مسلمي كشمير، وهو موقف أثار استغرابًا واسعًا في العالم الإسلامي. ففي أغسطس 2019 وصفت البعثة الإماراتية في الهند إلغاء الوضع الخاص لإقليم جامو وكشمير بأنه شأن داخلي هندي، بل رأت أن إعادة تنظيم الإقليم قد تسهم في تقليص التفاوت الإقليمي.
هذا الموقف لم يكن تفصيلًا دبلوماسيًا؛ لأن قضية كشمير ممتدة منذ عقود، وترتبط بالنزاع بين الهند وباكستان وبحقوق سكان الإقليم المسلمين. ولذلك بدا وصفها بأنها شأن داخلي انحيازًا إلى الرواية الهندية في لحظة كان فيها الكشميريون يتطلعون إلى موقف إسلامي يحمي حقوقهم.
وقد صدر لاحقًا موقف إماراتي يدعو إلى ضبط النفس والحوار، لكن ذلك لم يمحُ أثر الموقف الأول ولا دلالته السياسية.
فلسطين… تطبيع قبل استعادة الحقوق
في الملف الفلسطيني، لم يعد الأمر تحليلًا أو تسريبًا؛ فقد وقعت الإمارات في 15 سبتمبر 2020 اتفاق إقامة العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل مع إسرائيل، قبل إنهاء الاحتلال أو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقدمت أبوظبي الاتفاق باعتباره طريقًا نحو السلام، وواصلت إعلان دعمها لحل الدولتين وإدانة الاستيطان والتهجير. إلا أن السؤال الذي يطرحه الواقع أكثر عمقًا: ماذا قدم التطبيع للفلسطينيين فعليًا؟ وهل أوقف الاستيطان أو حمى القدس والأقصى أو أعاد للفلسطينيين شيئًا من حقوقهم؟
إن البيانات المؤيدة لفلسطين مهمة، لكن تأثير العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل أكبر من تأثير بيانات الإدانة. ومن حق الشعوب أن تسأل عن المسافة بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية.
التمويل والتحالفات الخفية
تطرق عشق إلى تمويل جهات وأحزاب بملايين الدولارات، وإلى مساندة قوى تتخذ مواقف معادية للإسلام أو للمسلمين. وهذه المعلومات، حتى إذا لم تُعلن رسميًا، لا يجوز إهمالها؛ بل ينبغي أن تكون بداية لتحقيق صحفي يتتبع مصادر التمويل والمستفيدين والوسطاء.
كما ظهرت خلال السنوات الماضية تحقيقات أوروبية تحدثت عن شبكات ضغط وتشويه استهدفت شخصيات ومؤسسات إسلامية في أوروبا، وعن الاستعانة بشركات خاصة لإعداد قوائم وتصنيفات تربط مسلمين ومؤسسات مدنية بالتطرف من دون أدلة كافية.
وهنا تبرز خطورة الخلط المتعمد بين مكافحة التنظيمات المتطرفة وبين استهداف الإسلام ومؤسساته ورموزه؛ فمن حق أي دولة مواجهة الإرهاب، لكن ليس من حقها توظيف هذا الشعار لتشويه المسلمين أو تمويل الخطابات المعادية لهم أو إسقاط التهم على كل من يخالف توجهاتها السياسية.
ليست حوادث منفصلة
قوة حديث عشق أنه لم ينظر إلى اليمن والسودان وكشمير وفلسطين باعتبارها ملفات منفصلة. فقد جمعها في سياق واحد، يقوم على ملاحظة النتائج المتكررة:
دعم قوى موازية للدولة، إضعاف الحكومات المركزية، توظيف المال والسلاح، مساندة الانقسامات، التقارب مع جهات تناصب قضايا المسلمين العداء، ثم تقديم ذلك كله تحت عناوين مكافحة الإرهاب أو حماية الاستقرار.
وحين تتكرر الأدوات والنتائج في أكثر من بلد، يصبح من الصعب وصفها بالمصادفة أو الأخطاء السياسية المنفصلة. فالمسار المتكرر يكشف رؤية سياسية، حتى لو لم تُكتب في وثيقة معلنة.
السؤال الذي يجب ألا يُدفن
لا يعني هذا إصدار حكم على شعب الإمارات الشقيق، فالشعوب لا تتحمل مسؤولية القرارات السياسية لحكوماتها، والعلاقة التاريخية والاجتماعية بين الشعبين السعودي والإماراتي أعمق من الخلافات العابرة.
لكن الأخوة لا تعني الصمت عن السياسات التي تضر بأمن المنطقة، ولا تمنع من مساءلة أي حكومة حين تؤدي تحركاتها إلى إضعاف دولة عربية أو تقسيم شعب مسلم أو مساندة طرف على حساب شرعية بلاده.
لقد وضع عشق بن محمد الوقائع أمام الرأي العام، وربط بين ساحات قد تبدو متباعدة، ثم طرح السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا تتكرر الآثار السلبية في البلدان والقضايا الإسلامية تحديدًا؟
وقد لا نجد وثيقة رسمية تجيب عن السؤال، لكننا نجد اليمن منقسمًا، والسودان ينزف، وكشمير تواجه مصيرها، وفلسطين ما تزال تحت الاحتلال، فيما تتقدم المصالح والتحالفات على حساب القضايا التي يفترض أن تجمع العرب والمسلمين.
وعندما تتكرر الوقائع بالأسلوب نفسه، يصبح الصمت عنها مشاركةً في دفن الحقيقة، وتصبح مساءلة السياسات واجبًا صحفيًا وأخلاقيًا، لا إساءة إلى دولة أو شعب.



