الرئيسيةدوليه

السعودية.. قوة دفاع لا تكشف كل أوراقها

منظومة عسكرية متكاملة تحمي سماء المملكة وحدودها ومياهها وتبني استقلالها الصناعي

Listen to this article

السعودية.. قوة دفاع لا تكشف كل أوراقها

منظومة عسكرية متكاملة تحمي سماء المملكة وحدودها ومياهها وتبني استقلالها الصناعي

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

تتكرر في بعض المنابر الإعلامية وحسابات التواصل مزاعم تصف المملكة العربية السعودية بأنها دولة ضعيفة عسكريًا، أو أنها لا تمتلك منظومة قادرة على الدفاع عن أراضيها. غير أن القراءة الموضوعية للقدرات المعلنة، وحجم الإنفاق، ونوعية التسليح، ومستوى التدريب، ومسار التوطين، تكشف أن هذه المزاعم أقرب إلى الدعاية السياسية منها إلى التحليل العسكري.

والدولة القوية لا تكشف كل ما تملكه، ولا تنشر مواقع قواتها ومخزونها وخططها القتالية للرأي العام؛ لذلك فإن المعلومات المتاحة لا تمثل بالضرورة الصورة الكاملة للقدرات السعودية، بل الجزء المعلن منها فقط.

الإنفاق يعكس حجم المنظومة

بحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «SIPRI»، بلغ الإنفاق العسكري السعودي خلال عام 2025 نحو 83.2 مليار دولار، لتأتي المملكة في المرتبة الثامنة عالميًا، وبنسبة تقارب 6.5% من الناتج المحلي. وهذه الأرقام لا تعني شراء الأسلحة فقط، بل تشمل التدريب والصيانة والتحديث والذخائر والبنية التحتية والقيادة والسيطرة والجاهزية البشرية والتقنية. 

ومن الصعب منطقيًا وصف دولة تحتل موقعًا متقدمًا بين أكبر المنفقين العسكريين في العالم بأنها لا تمتلك قوة دفاع، خصوصًا عندما يقترن الإنفاق بإعادة تنظيم وزارة الدفاع، وتطوير القيادة المشتركة، ورفع مستوى التدريب والتعليم العسكري.

وقد تضمنت وثيقة تطوير وزارة الدفاع رؤية واستراتيجية جديدة، ونموذجًا تشغيليًا وهيكلًا تنظيميًا يركز على الحوكمة والعمل المشترك وتأهيل القيادات. كما تؤدي جامعة الدفاع الوطني دورًا في إعداد القادة والمخططين وصناع القرار في مجالات الأمن الوطني والعمليات المشتركة والدراسات الاستراتيجية. 

قوة جوية متعددة المهام

تُعد القوات الجوية الملكية السعودية أحد أبرز عناصر القوة العسكرية في المنطقة، وتمتلك مزيجًا من الطائرات المقاتلة المتقدمة، في مقدمتها:

  • مقاتلات F-15SA متعددة المهام.
  • مقاتلات F-15C الاعتراضية.
  • مقاتلات يوروفايتر تايفون.
  • طائرات تورنيدو الهجومية.
  • طائرات النقل العسكري C-130.
  • طائرات التزود بالوقود جوًا MRTT.
  • مروحيات AH-64 أباتشي الهجومية.
  • مروحيات بلاك هوك للنقل والإسناد.

وأكدت القوات الجوية الأمريكية اكتمال تسليم مقاتلات F-15SA المتقدمة للسعودية في ديسمبر 2020، ووصفتها بأنها نسخة متطورة تمنح المملكة قدرة ردع قوية. كما تتمتع طائرات التايفون بقدرات متزامنة في مهمات جو-جو وجو-أرض، وبأنظمة اتصال وحرب إلكترونية ودعم متبادل بين المنصات. 

ولا تقوم القوة الجوية على امتلاك الطائرة وحدها؛ فالمقاتلة دون طيار مدرب، وفني مؤهل، وذخائر دقيقة، وإنذار مبكر، وقيادة وسيطرة، وقدرة على التزود بالوقود والصيانة، تظل قوة ناقصة. وقد أظهرت مشاركات القوات الجوية السعودية في تمارين دولية مثل «العلم الأحمر» و«علم الصحراء» قدرتها على العمل في بيئات تحاكي الحروب الحديثة، بمشاركة الأطقم الجوية والفنية والمساندة. 

وتستطيع هذه المنظومة تنفيذ مهام الدفاع الجوي، والاعتراض، وحماية الأجواء والمنشآت، والاستطلاع، والإسناد، والنقل الاستراتيجي، والعمليات الدقيقة ضمن القرارات السيادية للمملكة.

دفاع جوي بطبقات متعددة

لا تعتمد السعودية على سلاح واحد لحماية أجوائها، بل تتجه إلى مفهوم الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل؛ أي استخدام الرادارات ومراكز القيادة ومنظومات الاعتراض على طبقات مختلفة بحسب نوع التهديد وارتفاعه وسرعته.

وتشمل أبرز المنظومات المعلنة:

  • منظومة باتريوت لاعتراض الطائرات والصواريخ الباليستية وبعض التهديدات الجوية.
  • صواريخ PAC-3 وPAC-3 MSE ذات القدرات المطورة.
  • منظومة ثاد THAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية في المرحلة النهائية وعلى ارتفاعات أعلى.
  • رادارات وشبكات إنذار وقيادة وسيطرة وحرب إلكترونية.
  • قدرات للتعامل مع الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة، يجري تحديثها باستمرار.

وفي يوليو 2025 دشنت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي أول وحدة لمنظومة «ثاد» بعد إتمام الاختبارات والتقييم والتدريب الميداني داخل المملكة. والمنظومة قابلة للتكامل مع «باتريوت» وعناصر الدفاع الصاروخي الأخرى، ما يعزز مفهوم الحماية متعددة الطبقات. 

وفي يناير 2026 وافقت الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة تشمل 730 صاروخًا من طراز PAC-3 MSE ومعدات مرتبطة بها. والموافقة لا تعني أن جميع الصواريخ سُلّمت بالفعل، لكنها توضح اتجاه المملكة إلى توسيع المخزون ورفع استدامة الدفاع الجوي. 

كما أُعلنت في فبراير 2026 شراكة لإنشاء أول مركز داخل السعودية لفحص وإصلاح واعتماد مكونات قواذف PAC-3، وهي خطوة مهمة لأن القوة الحقيقية لا تتمثل في شراء المنظومة فقط، بل في القدرة على صيانتها وإبقائها جاهزة داخل البلاد. 

القوات البرية وحماية الحدود

تمتلك القوات البرية السعودية تشكيلات مدرعة ومشاة ومدفعية وطيرانًا للقوات البرية ووحدات هندسية واتصالات وإسنادًا لوجستيًا، وتستخدم دبابات M1A2 أبرامز، ومدرعات ومروحيات أباتشي وبلاك هوك، إلى جانب منظومات استطلاع واتصال وتسليح متعددة.

ولا تُقاس كفاءة القوات البرية بعدد الدبابات وحده، بل بقدرتها على تحريك القوات، وإمدادها، وحماية الحدود، وربط الوحدات بالاستطلاع الجوي والدفاع الجوي والقيادة المشتركة.

وقد اكتسبت القوات السعودية خبرة عملية طويلة في حماية الحد الجنوبي والتعامل مع تهديدات متنوعة تشمل التسلل والمقذوفات والطائرات المسيّرة والصواريخ. وهذه الخبرة الميدانية عامل لا يظهر في صور الأسلحة، لكنه يمثل جزءًا أساسيًا من بناء الكفاءة العسكرية.

قوة بحرية تحمي ساحلين وممرات استراتيجية

تطل المملكة على البحر الأحمر والخليج العربي، وتقع منشآتها وموانئها وخطوط تجارتها ضمن نطاق بحري بالغ الأهمية؛ ولذلك تعمل القوات البحرية الملكية السعودية بأسطولين شرقي وغربي لحماية السواحل والمياه الإقليمية والمنشآت الحيوية وخطوط الملاحة.

وتشمل القدرات البحرية المعلنة فرقاطات وسفن قتال ساحلي وكورفيتات وزوارق صاروخية وسفن إسناد وكاسحات ألغام ومروحيات بحرية ووحدات أمن بحرية خاصة.

وفي مارس 2024 دخلت السفينة «عنيزة» الخدمة بوصفها خامس وآخر كورفيت ضمن مشروع «السروات». وتتميز سفن هذه الفئة بقدرتها على تنفيذ مهمات قتالية متعددة وحماية المصالح الاستراتيجية والأمن البحري، بالتزامن مع نقل التقنية والتدريب ودعم الصيانة داخل المملكة. 

كما يتضمن برنامج السفن القتالية متعددة المهام MMSC أنظمة لإدارة المعارك، وإطلاقًا عموديًا، وصواريخ للدفاع الجوي، ورادارات ومدافع وأنظمة دفاع قريبة، بما يمنح البحرية قدرة أكبر على العمل في المياه الساحلية والمفتوحة ومواجهة التهديدات الجوية والسطحية وتحت السطحية. 

من شراء السلاح إلى صناعته

أبرز تحول استراتيجي في القوة السعودية يتمثل في الانتقال التدريجي من الاستيراد الكامل إلى التوطين والتصنيع والصيانة ونقل التقنية.

بلغت نسبة توطين الإنفاق العسكري 24.89% بنهاية عام 2024، بعدما كانت محدودة جدًا عند إطلاق رؤية 2030، فيما تستهدف المملكة توطين أكثر من 50% من الإنفاق على المعدات والخدمات العسكرية بحلول عام 2030. كما ارتفع عدد المنشآت العاملة والمرخصة في القطاع، وتوسعت المشتريات من الشركات المحلية. 

ويشمل التوطين تصنيع طائرات مسيّرة، وزوارق اعتراضية، وأنظمة إلكترونية واتصالات، وأجزاء من منظومات ثاد، وصيانة الطائرات والرادارات والمنظومات الدفاعية. وقد بدأت شركات سعودية إنتاج مكونات محلية لمنصات «ثاد» وحاويات صواريخها الاعتراضية، بما يعزز الاستدامة والاستقلال الصناعي. 

وهذا المسار أهم من استعراض قطعة سلاح منفردة؛ لأن الدولة التي تستطيع صيانة معداتها وتطوير كوادرها وتصنيع أجزاء منظوماتها تكون أقدر على الاستمرار في الأزمات الطويلة.

هل اختراق صاروخ أو مسيّرة يعني ضعف الدولة؟

الحكم على قوة دفاع دولة من خلال وصول مقذوف أو مسيّرة هو حكم غير مهني. فلا توجد منظومة دفاع في العالم تضمن اعتراض جميع التهديدات بنسبة 100%، خصوصًا مع الهجمات المتزامنة، والمسيرات الصغيرة، والصواريخ المنخفضة، وتعدد مسارات الهجوم.

المعيار الحقيقي هو قدرة الدولة على اكتشاف التهديد، وتقليل أثره، وحماية أغلب الأهداف، واستمرار مؤسساتها ومطاراتها واقتصادها وخدماتها، ثم تطوير منظومتها استنادًا إلى التجربة.

كما أن قرار عدم الرد الفوري أو عدم إعلان تفاصيل الرد لا يعني العجز؛ فقد يكون جزءًا من حسابات سياسية وعسكرية أوسع. القوة تشمل القدرة على استخدام السلاح، وتشمل كذلك الحكمة في تحديد التوقيت والهدف وحجم الرد.

ماذا تستطيع السعودية أن تفعل؟

استنادًا إلى القدرات المعلنة، تمتلك المملكة القدرة على:

  • حماية مجالها الجوي بطائرات اعتراضية ومنظومات دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات.
  • تنفيذ عمليات جوية بعيدة نسبيًا بدعم طائرات التزود بالوقود والنقل والإنذار والقيادة.
  • توجيه ضربات دقيقة ضد الأهداف العسكرية عند صدور القرار السيادي.
  • حماية حدودها البرية وتعزيزها سريعًا بالقوات والمدرعات والطيران العمودي.
  • حماية سواحلها وموانئها ومنشآتها البحرية وخطوط الملاحة.
  • العمل المشترك مع قوات دول صديقة ضمن تمارين وعمليات متعددة الجنسيات.
  • مواصلة القتال والإسناد عبر بنية لوجستية وصناعية يجري توطينها وتوسيعها.
  • تطوير منظوماتها داخليًا واستقطاب التقنية وبناء كوادر وطنية متخصصة.

قوة تحكمها المسؤولية

السعودية ليست دولة تبحث عن الحرب، ولا تجعل من استعراض السلاح وسيلة دائمة لإثبات الذات. لكنها دولة ذات مساحة شاسعة، وساحلين استراتيجيين، ومقدسات إسلامية، واقتصاد عالمي، ومنشآت حيوية؛ ولذلك بنت قوة دفاعية تتناسب مع مسؤولياتها وموقعها والتهديدات المحيطة بها.

يمكن مناقشة أي تجربة عسكرية، وانتقاد أوجه القصور، والمطالبة بمزيد من التطوير؛ فكل منظومة دفاعية تحتاج إلى مراجعة مستمرة. أما إنكار القوة السعودية كاملةً، مع تجاهل حجم القوات ونوعية المقاتلات وطبقات الدفاع الجوي والأساطيل البحرية والتدريب والتصنيع المحلي، فليس تحليلًا عسكريًا، بل خطاب دعائي.

السعودية تعرف ما تملك، وتعرف متى تستخدمه. وقوتها لا تقوم على السلاح وحده، بل على قيادة الدولة، وكفاءة جنودها، واستقرار مؤسساتها، واقتصادها، وتحالفاتها، وقدرتها المتنامية على التصنيع والاستدامة. وهذه هي عناصر القوة التي لا يستطيع المغرض إلغاءها بمنشور، ولا المشكك إنكارها بخطاب عابر.

محمد سعد القحطاني

‏صحفي وكاتب ومؤلف وشاعر، انتقلت بالكلمة من المقال والقصيدة والكتاب إلى السيناريو والدراما والكوميديا والسينما والمسرح. ‏من أعمالي سلسلة «سكرات الحياة»، ودليلك إليك ومنها امتد مشروع الكتابة إلى أعمال درامية وسينمائية ومسرحية، بينها «مرآة | سكرات الحياة» و**«سُبع ساعة»** ومسرحية بالغلط، إلى جانب مشروعات أخرى في مراحل التطوير. ‏أكتب الخبر بوعي الصحفي، والفكرة بعين الكاتب، والشخصية بخيال المؤلف، وأبحث في كل ذلك عن شيء واحد: ‏أن تتحول الكلمة من نصٍ يُقرأ… إلى أثرٍ يُرى ويُشاهد ويبقى. ‏محمد سعد القحطاني✍🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى