ماذا لو
بين المكاسب الاستراتيجية وكلفة التطبيع.. لماذا ربطت الرياض العلاقة بإقامة الدولة الفلسطينية؟


ماذا لو
وافقت السعودية على الاتفاقية الإبراهيمية؟
بين المكاسب الاستراتيجية وكلفة التطبيع.. لماذا ربطت الرياض العلاقة بإقامة الدولة الفلسطينية؟
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تقرير تحليلي
ماذا لو وافقت المملكة العربية السعودية على الانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية، وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل؟ سؤال افتراضي تتجاوز إجابته تبادل السفراء والرحلات التجارية؛ فالسعودية دولة ذات مكانة دينية وسياسية واقتصادية كبرى، وأي تحول في موقفها سيعيد تشكيل حسابات المنطقة، ويؤثر مباشرة في القضية الفلسطينية وموقعها في النظام الإقليمي.
لكن نقطة البداية لا بد أن تكون دقيقة: المملكة ليست الدولة الوحيدة التي لم توقّع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل؛ فدول عربية عديدة لا تقيم علاقات دبلوماسية معها. غير أن السعودية تبرز بين الدول التي أعلنت بوضوح ربط أي علاقة دبلوماسية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب وقف العدوان على غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية منها وفق بيان وزارة الخارجية السعودية.
ما الذي قد تكسبه الرياض؟
لو وافقت المملكة على التطبيع، فمن المرجح أن تحصل على فرص لتوسيع التعاون الاقتصادي والتقني، وتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية، وتعزيز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل في ملفات إقليمية. وقد يتيح الاتفاق للسعودية تفاهمات أوسع مع واشنطن في مجالات الدفاع والتقنية والطاقة، وهي ملفات كانت حاضرة في النقاشات حول أي اتفاق محتمل.
وقد ينعكس ذلك على حركة التجارة والاستثمار والسياحة والتعاون في مجالات مثل التكنولوجيا والزراعة والمياه. لكن هذه المكاسب المحتملة ليست مضمونة بمجرد التوقيع؛ إذ تتوقف على تفاصيل الاتفاق، وما إذا كانت الوعود السياسية والأمنية ستتحول إلى التزامات واضحة قابلة للتنفيذ.
وماذا قد تخسر؟
في المقابل، فإن توقيع اتفاق من دون تقدم حقيقي نحو حل عادل للقضية الفلسطينية قد يحمّل المملكة كلفة سياسية وأخلاقية كبيرة، ويُفهم عربيًا وإسلاميًا على أنه فصل بين التطبيع وحقوق الفلسطينيين. وقد يمنح الحكومة الإسرائيلية مكسبًا إقليميًا مهمًا من دون أن تقدم تنازلات جوهرية تتعلق بالاحتلال أو الاستيطان أو قيام الدولة الفلسطينية.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال لأن مكانة المملكة الدينية والسياسية تجعل موقفها مختلفًا في رمزيته عن مواقف دول أخرى. فالسعودية ليست طرفًا إقليميًا عاديًا؛ وهي تستضيف الحرمين الشريفين، وتحمل مسؤولية سياسية ومعنوية واسعة لدى قطاعات كبيرة من المسلمين. لذلك فإن أثر قرارها لن يُقاس بالعائد الاقتصادي وحده، بل بما يتركه من انطباع عن مستقبل الحقوق الفلسطينية وموقعها في أي تسوية.
هل يعني التطبيع التخلي عن فلسطين؟
ليس بالضرورة؛ فالعلاقات الدبلوماسية لا تعني قانونيًا التخلي عن المطالبة بدولة فلسطينية، ويمكن نظريًا أن تتضمن الاتفاقية شروطًا وضمانات ومراحل تنفيذ. لكن الفارق الحاسم هو بين مسار يؤدي فعليًا إلى الدولة الفلسطينية، وبين وعود عامة أو خطوات رمزية تُستخدم لتسويق الاتفاق من دون تغيير على الأرض.
وقد شددت المملكة في مواقف رسمية متكررة على أن الدولة الفلسطينية المنشودة تكون على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما أكدت في بيان رسمي صدر في فبراير 2025 ثبات هذا الموقف، ودعت إلى إنهاء الاحتلال وحشد الاعتراف الدولي بفلسطين.
لذلك، فإن معيار أي اتفاق محتمل لن يكون اسمه أو مراسم توقيعه، بل نصوصه: هل يوقف التوسع الاستيطاني؟ هل يحدد مسارًا زمنيًا ملزمًا لإنهاء الاحتلال؟ هل يضمن للفلسطينيين دولة ذات سيادة واتصال جغرافي؟ وهل توجد آلية لمحاسبة الطرف الذي يخل بالتزاماته؟
لماذا يظل الموقف السعودي مهمًا؟
اتفاقات عام 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين، وما تبعها من ترتيبات مع دول أخرى، فتحت قنوات جديدة للعلاقات الإقليمية، لكنها لم تُنهِ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد أُبرمت اتفاقية الإمارات وإسرائيل في سبتمبر 2020، فيما شاركت البحرين في إعلان الاتفاقات في الفترة نفسها.
ومن هنا تأتي خصوصية الموقف السعودي: فالمملكة تملك قدرة على منح أي اتفاق مع إسرائيل وزنًا إقليميًا أكبر، لكنها تملك أيضًا القدرة على جعل التطبيع مشروطًا بتحول سياسي حقيقي، لا بمجرد ترتيب مصالح ثنائية. وقد أشارت تحليلات بحثية إلى أن كلفة التطبيع السياسية ارتفعت بعد حرب غزة، وأن الرأي العام العربي ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضية عربية، لا ملفًا فلسطينيًا محليًا فحسب.
أما القول إن العداء للسعودية سببه وحده رفضها التطبيع، أو إن ما يجري «حرب على الإسلام»، فهو استنتاج سياسي لا تثبته الأدلة المتاحة بصيغته القطعية. يمكن القول إن مواقف المملكة من فلسطين ومكانتها الدينية تجعلها هدفًا للانتقاد والضغط في ملفات متعددة، لكن تحويل ذلك إلى تفسير شامل لكل خصومة أو حملة إعلامية يحتاج إلى أدلة محددة، لا إلى التعميم.
القرار بين القوة والمسؤولية
إذا وافقت السعودية يومًا على اتفاق، فستكون النتائج مرتبطة بشروطه ومضمونه: اتفاق يحقق تقدمًا فلسطينيًا ملموسًا قد يفتح بابًا لتسوية إقليمية أوسع؛ أما اتفاق بلا ضمانات، فقد يحقق مكاسب دبلوماسية واقتصادية قصيرة الأجل، ويعمّق في المقابل شعور الفلسطينيين بأن قضيتهم تُؤجَّل مرة أخرى.
والأدق أن يُقرأ الموقف السعودي باعتباره قرارًا سياديًا تحكمه المصالح والمسؤولية والتوازنات، مع شرط معلن يتعلق بالدولة الفلسطينية، لا باعتباره اختبارًا للإسلام أو حكمًا على إيمان الدول والشعوب. فالدفاع عن فلسطين لا يُختزل في الشعارات، كما لا تُقاس قوة السياسة بمجرد الرفض أو القبول؛ بل بقدرتها على تحويل الموقف إلى نتائج تحفظ الحقوق وتمنع فرض الأمر الواقع.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: ماذا لو وقّعت السعودية؟ بل: ماذا يجب أن يتضمن أي اتفاق حتى لا يتحول التطبيع إلى مكافأة مجانية، وحتى يصبح طريقًا حقيقيًا نحو سلام عادل ودولة فلسطينية مستقلة؟



