مقالات

رحيل معلم الأنجال والأجيال

Listen to this article

أ. شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

رحل مساء الأثنين الموافق 02/ 07/ 1445هـ الأستاذ عبد الرزاق بن محمد حمزة مدير عام هيئة الرقابة والتحقيق سابقاً، بعد معاناة مع المرض خلال الفترة الأخيرة والمرحوم – بإذن الله –  ولد بمكة المكرمة عام 1353هـ وحصل على الشهادة الجامعية عام 1375هـ من كلية المعلمين – كلية التربية حالياً- بمكة المكرمة وحصل على دبلوم الدراسات الإسلامية العليا من القاهرة عام 1379هـ كما حصل على الماجستير في التربية من أمريكا عام 1393هـ تخصص تكنولوجيا التعليم، وعمل في بداية حياته العملية مدرساً بمدرسة أنجال جلالة الملك فيصل بالطائف، عام 1376هـ ثم مديراً لمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، ثم مديراً عاماً للتعليم العالي بوزارة المعارف، وتقلد أيضاً عدة مناصب منها مدير عام هيئة الرقابة والتحقيق بالمنطقة الغربية وآخر عمل حكومي له شغل منصب مستشار لمعالي وزير الحج والأوقاف وعمل كعضو في بعض الجهات كعضوية جميعة كبار المربين الأمريكية عام 1972م وعضو جميعة الاتصالات التعليمية والتكنولوجيا بأمريكا عام 1973م وعضو مجلس الإدارة بمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر وعضو شرف بنادي الوحدة الرياضي بمكة المكرمة .

ومن خلال معرفتي بهذا الرجل – والرجال مثله قليل- والالتقاء به والتواصل معه فقد عرفته كموسوعة علمية شاملة وبرغم تقدّم السن إلا أنه كان يتمتع بذاكرة قوية تعجب مما يختزنه من ذكريات كثيرة ومعلومات وتفاصيل دقيقة حول أي موضوع يتم التطرق إليه، وخير دلالة على ذلك ما جاء في كتابة المطبوع تحت مسمى ” العيش في مكة المكرمة ” فهذا الكتاب صدر ضمن منشورات مؤسسة (عكاظ) للصحافة والنشر يتضمن عدة مقالات نشرت في الفترة من 21/ 8 /1417 هـ حتى 7/11 /1425هـ وعدد صفحاته 320 صفحة وبلغ عدد المواضيع المضمنة بالكتاب أكثر من ثمانين مقالة وذكر فيها وقائع كثيرة بأدق التفاصيل رغم مرور عقود على حدوثها، ونأمل من أبنه الأخ هشام عبد الرزاق وصهره المحامي محمد سراوق أن يقوما بتجميع المقالات التالية لهذا التاريخ ونشرها في كتاب كجزء ثاني من كتاب ” العيش في مكة” فهي مقالات عميقة تستحق النشر بكل معنى الكلمة.

وكان له صلات وصداقات كثيرة وبخاصة برجال التعليم القدامى وقد لمست من خلال قربي منه – رحمه الله وغفر له – محبة الناس له ومحبته لهم وقربه منهم، فهو ذو شخصية جذابة مرحة ذو نفس عالية مع تواضع جم، فحين يتحدث لا تملك إلا الإنصات والإصغاء له فهو يتحدث بلباقة ووضوح ودقة، وحين تطرح موضوعاً معيناً قد يبدو لك أنك بذلك تبدي له معلومات جديدة فإذا بك تفاجأ بأنك لم تكن إلا كمن يفتح موسوعة كبيرة لا تعرف منها إلا العنوان. وقد تشرفت بمتابعته الدقيقة لمقالاتي وبعض قصائدي في جريدتي عكاظ والمدينة المنورة، ويزيدني سعادة أنه حينما يقرأ المقالة أو القصيدة فإنه يتصل هاتفياً، ويعلق على أمور دقيقة يقرأها بين السطور وأتشرف ببعض توجيهاته وكلماته التي يثني بها أحياناً على تلك المقالات والقصائد.

أما الحديث عن الجانب الوظيفي فإن حديثي هنا عن الأستاذ عبد الرزاق – رحمه الله – هو حديث ينبع من خلال ما عرفته عن كثب وما لمسته من خلال ما يتمتع به من ثقافة واسعة ومعرفة كبيرة في كثير من مجالات الحياة، مع دماثة الأخلاق وطيب المعشر والتفاني والإخلاص في العمل وقد تشرفت بالعمل في ظل إدارته كمحقق إبان عمله كمدير عام لهيئة الرقابة والتحقيق بالمنطقة الغربية وتعلمت منه أبجديات العمل الإداري وأساسياته، ليس كمحاضرات يلقيها على موظفيه أو بكثرة أوامر وتوجيهات وتعليمات أو حوافز ومكافآت، ولكنني تعلمت منه كغيري من الزملاء ممن عمل معه من خلال المبادئ والقيم التي يؤمن بها ورسخها في أذهان كثير من مرؤوسيه من واقع ممارساته العملية وسلوكياته الإدارية الراقية، وأسلوبه الجميل المحبب للنفوس، ومساحة الحرية الكبيرة التي أتاحها لمرؤوسيه في النقاش والحوار وطرح الأفكار والإبداع في أساليب التنظيم وحسن سير العمل، ولهذا كان قدوة في هذا المجال، والقدوة كما هو ثابت من أهم وسائل التعليم بل هي الوسيلة التي تبقى في الذاكرة فلا يمحوها تقدم الزمن ولا تنال منها اختلاف الظروف والأحوال، لقد كان لا يعترف بالفوارق والمستويات الوظيفية بين الرئيس والمرؤوس فقد جعل من نفسه زميلاً لموظفيه رغم الفوارق الوظيفية التي يتمسك بها البعض ممن هم في مستواه الإداري فيجعلون بينهم وبين مرؤوسهم متاريس وحجب، أما الفقيد – رحمه الله – فقد كان أباً وأخاً وصديقاً لكل الموظفين، يشاركهم مناسباتهم الصغيرة والكبيرة ويحفز على التواصل فيما بينهم، وفي أثناء إدارته ملك قلوب مرؤوسيه واستطاع أن يستثمر هذا الحب والولاء لمصلحة العمل، فتوطدت العلاقات بينه وبين مرؤوسيه، حتى أنه بعد تركه للعمل استمرت روابط الصلة بمرؤوسيه وزادت قوة وصلابة وذات عرى متينة. ولم يقطع علاقاته برؤسائه، ولقد كان محور اهتمام مرؤوسيه في اجتماعاتهم الخاصة ومناسباتهم الاجتماعية، وكان في مقدمة الحضور في أفراحهم وأحزانهم، صاحب مبدأ لا يحيد عنه مهما كانت الظروف ومهما بلغت التضحية فكان لا يرضى أن يقع الظلم على أحد ويمقت التسلط على الناس بدون وجه حق، ثقته بنفسه كبيرة جداً، ومع ذلك فلا يضع بينه وبين من حوله أي حواجز ولا يرضى الاستعلاء على أحد أو يفرض رأيه إذا كان الرأي الآخر هو الأقرب للصواب، ومما كان يمقته أن يتخذ نصاً من النظام يتيح له الاستفادة مادياً، متى كان ذلك لا يضيف قيمة  للمصلحة، وقد ترك العمل وهو لا زال في أوج نشاطه وعطائه ونضجه الإداري، لأنه رأى أن بقاءه لا يتيح له العمل وفق مبادئه ورؤاه وقيم العمل التي يؤمن بها.

ومما يدهش المرء تلك القدرة الفائقة لدى أبي هشام على التفاعل الاجتماعي ودراسة سلوك كل من يتعامل معه، وإذا كان قد قيل في تعريف الإدارة بأنها: “علم وفن” فإن الأستاذ عبد الرزاق – رحمه الله – كان يمتلك ناصية ذلك كله، ويطبقه فعلياً، وزيادة عليه فهو يملك الأمانة والقوة، وله قدرة عجيبة في معرفة القدرات الفردية لدى الموظفين وكيفية استغلالها وتوظيفها لمصلحة العمل. وله أسلوب فريد في كيفية استثمار جهود العاملين معه وتوجيهها التوجيه المناسب لكل موظف حسب قدراته وكفاءته. مع إطلاق الحرية في العمل وعدم التدخل في التفاصيل، فالنتائج هي المهم والهدف المنشود هو الأساس، أما الوسيلة فيتركها للموظف طالما أنه يعمل في الإطار النظامي، ليشعر ذلك الموظف بعبء المسؤولية التي تقع على كاهله، ومدى حجم الثقة التي أولاها إياه رئيسه، فالثقة بالنفس تولد الإبداع ويستشعر معها الموظف أنه أمام اختبار حقيقي عليه أن يؤديه بجدارة. وكان إذا كلف موظفاً بعمل غير عمله الأساسي يقول له بالنص: أجعل ذلك زكاة العافية وهبها لمصلحة الوطن. ولهذا كنّا كمحققين نقوم بالعمل الرقابي بالإضافة إلى عملنا الأساسي دون أن نتقاضى عن ذلك أجرا.

شخصياً تتلمذت على يديه إدارياً وتعلمت من خلال تلك التجربة الوظيفية مبادئ وقيم وأسس إدارية غاية في الأهمية ومنها: أنه كان يعمل بمبدأ اللين في غير ضعف والقوة في غير عنف، كما أنه يؤمن بمبدأ الإدارة بالأهداف ويطبق ذلك المبدأ بعدة أساليب وطرق تتحقق معها النتائج وتتوسع بها مدارك الموظفين، كما أنه يؤمن إيماناً كبيراً بمبدأ أن مصلحة العمل فوق المصلحة الشخصية مهما تعارضت معها وتقاطعت تلك المصالح الشخصية، ولم يكن يجامل أحداً على حساب مصلحة العمل مهما كانت قرابته أو علاقته به، ومع ذلك فقد كان يقود موظفيه بمبدأ الأبوية والأخوية، وليس الرئاسة والسلطوية، فكان رحمه الله يتعامل مع مرؤوسيه خاصة ومن حوله عامة بالوضوح والشفافية، ويعامل كل موظف وفق ما يقدمه الموظف من جهد وإخلاص وتفاعل في العمل وتحقيق الأهداف. ولقد لمست منه شخصياً مبدأ لا يتقنه – بل قد لا يعرفه – كثير من المسؤولين وهو مبدأ ” أنا والعمل على الموظف، وأنا والموظف على الظروف” فكان لا يقبل التراخي ولا الإهمال بل يسارع إلى توجيه الموظف بالأسلوب الصحيح والعبارات المناسبة لمعالجة الخلل والقصور، ولكنه مع ذلك يقف بجانب الموظف في حالة الظروف الصعبة ويذلل له السبل لتجاوز تلك الظروف، وقد تأثر مرؤوسوه بذلك المنهج واقتدوا به فحينما أصبحوا في مواقع المسؤولية والإدارة والإشراف ساروا على ذلك المنهج، فكان رحمه الله جامعة تعلمنا منه الكثير مما لم تحتويه كتب الإدارة ولا الأنظمة ولا التعليمات.

لقد كسب الأستاذ عبد الرزاق – رحمه الله – محبة مرؤوسيه وتقديرهم له وبرغم أنه تقاعد في عام 1404هـ إلا أن علاقته بمرؤوسيه امتدت حتى وافاه الأجل المحتوم مساء الاثنين الموافق 02/ 07/ 1445هـ وقد انعكس ذلك في تلك المظاهر خلال أيام العزاء فقد كان حزنهم والأسى بالغاً وكبيراً فكل منهم يرى أن رحيل الفقيد خسارة لكثير من المكتسبات في حياته العملية والاجتماعية. ولكن لا يملكون إزاء ذلك إلا حسن الدعاء له بالرحمة والمغفرة.

فالرجل يملك ثروة علمية وثقافية هائلة. وهذه الحصيلة العلمية والثقافية التي يختزنها الأستاذ عبد الرزاق هي نتاج طبيعي لكونه ابن رجل عالم فاضل كان مدرساً وإماماً وخطيباً للمسجد الحرام فضلاً عن أن من الأسباب التي أثمرت عن تنوع ثقافته واتساع معارفه. وجود تلك المكتبة الشخصية الكبيرة في منزلة فمن يقف أمام أرفف مكتبته رحمه الله يرى أمهات الكتب القيمة والمراجع والمصادر القديمة والموسوعات والمؤلفات الحديثة فلا غرابة في حجم حصيلته العلمية والفكرية في كافة المجالات الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية والاجتماعية والرياضية والإدارية ولحرصه – رحمه الله – على بقاء القيمة العلمية لهذه المكتبة فقد أهداها إلى مكتبة الحرم المكي وتم تخصيص مكاناً لها في مكتبة الحرم.

اللهم إنا نسألك الرحمة والمغفرة للفقيد الأستاذ عبد الرزاق محمد حمزة وأن تجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن ترفع درجاته ومقامه في عليين مع الذين أنعمت الله عليهم من النبيين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً وأجزه اللهم عنّا خير ما جزيت به صالحي عبادك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى