الرئيسيةمقالات

درب الجمالة

Listen to this article

أ. عاطف عدنان الرفاعي

رحلة في ممرات الهدى العتيقة بين عبق الماضي وسحر الطبيعة.. حيث يعانق التاريخ روح الجبل..!

في أعالي جبال الهدى، حيث تسكن الغيمات وتدفن الرياح أسرارها، يمتد “درب الجمالة” كوشاح عتيق على عنق الزمان.. ذلك الدرب الجبلي الذي بدأ منذ سالف الدهر، فصار شاهداً على خطوات الإنسان وصدى أصوات القوافل التي عبرته محملة بالحنين، وكأن الأرض تحفظ أنفاس الراحلين وترتّل حكاياهم مع كل نسمة تعبر من بين الصخور.

هنا، في حضن جبل الكر، تتلاقى الجغرافيا مع الأسطورة، فتتشكل لوحة من الطبيعة المجبولة بتجربة الإنسان.. يتعرج الطريق كأغنية موسيقية، تتبدل درجاتها كلما لامست الشمس قمة أو داعبت الظلال سفحاً.. إنه ليس مجرد معبر جبلي، بل خيط منسوج من ذاكرة المكان، يربط بين أجيالٍ وقرون، ويحوّل الجبل من كتلة صماء إلى كتاب مفتوح على صفحات من المجد والتحدي.

ذاكرة الأجداد وعبق السير

يقال إن “درب الجمالة” وُلد من حاجة الإنسان، حين فرضت الطبيعة على أهل الهدا ومن سكن خلفه.. وطناً معلقاً بين السماء والأرض.. هناك، حين كانت العربات الحديثة أمراً بعيد المنال، كان الجَمّال هو سيد الدرب، والجمل رفيق الدرب الثقيل، لا يهاب انحداراً ولا يضعف أمام صعود.. عبر هذا الطريق، حملت القوافل المؤن والبضائع، وربما أيضاً الرسائل والأحلام، فوق ظهور الجمال، فصار للطرقات رنين الأجراس ووقع الأقدام المتثاقلة.

لا تزال آثار الأقدام محفورة بين الصخور، تُخبر من يسلك الدرب اليوم عن آلاف الحكايا التي شهدها المكان.. كانت النساء يجلسن على الشرفات البعيدة يرمين تحية للمارّين، والأطفال يجرون بين الأشجار يراقبون القوافل وهي تتهادى على السفوح، بينما تزدحم القلوب بالدعوات لسلامة العابرين.

جمال الطبيعة وسحر التفاصيل

يمتد الدربُ في صعودٍ حاد، تتناثر على جانبيه نباتاتٌ برية وأزهارٌ عطرية، تملأ الأجواء بعبيرها فتبعث في النفس سكينةً وراحة.. بين الشجيرات، يبرز “الضيمران” كأمير متوج في بلاط الطبيعة، يعلن حضوره بعطر يسبق رؤيته، فيخترق الروح قبل الأنفاس، وكأن الطبيعة تختزل لغتها في نفحة عطر تروي حكاية أرضها.

على جنبات الطريق، تتربع صخور عظيمة كأنها عروش للملوك، وقد نحتت الريح عليها خطوط الزمن الطويل.. تتغير ألوان الجبال مع تعاقب الضوء؛ فتارة تكتسي بحمرة الشفق، وتارة تلبس بياض الضباب أو يخالطها سواد ظل عابر.. كل زاوية على الدرب تحمل مشهداً خاصاً يستحق التأمل.

التلفريك.. شاهد العصر وحديث المسار

اليوم، يعلو التلفريك فوق رؤوس الجبال، يراقب السائرين في صمت، كأنه ينقل رسالة من الماضي إلى الحاضر؛ أن المسافة بين قمة الجبل وسفحه ليست مجرد مسافة مكانية، بل رحلة في الزمن.. يمر التلفريك سريعاً، ومعه تلمع ذكريات الزمن القريب، حين أصبحت التقنية جزءاً من حياة المكان، ومع ذلك، اختار بعض العابرين أن يظلوا أوفياء للدرب القديم، يسلكونه بأقدامهم، متحدّين الوعورة، ومتشبثين بذاكرة الأجداد.

سُكة المغامرة

يتوقف العابرون عند رؤيتهم لسالكي الدرب، ويمتد بينهم سؤال مشحون بالدهشة: “أهؤلاء ضلوا الطريق؟” لكن من يعرف المكان، يدرك أن هؤلاء ليسوا ضالين، بل هم حملة الإرث والسادة الجدد للمغامرة.. لقد اختاروا أن يعيشوا التجربة كما عاشها القدامى؛ أن يتحدوا تعب الصعود ويستمتعوا بنشوة الوصول، أن ينصتوا لصدى الخطى في الوادي وأن يقرأوا كتاب الطبيعة صفحةً صفحة.

إنهم “سالكوا درب الجمالة”؛ أشخاص منفتحون على سحر المكان، يخوضون التحديات، ويكتشفون أسرار الجبال بإرادتهم. يجمعهم عشق المغامرة وحنين العودة لجذور الإنسان الأولى، حيث لا شيء يعلو فوق صوت الطبيعة وقوانينها.

الدرب بين الأمس واليوم

لم يعد “درب الجمالة” ممرًا للقوافل وحدها، بل أصبح ملاذاً لعشاق المشي الجبلي ومحبي الاستكشاف.. يتغير الزمن وتختلف الأدوات، لكن الدرب بقي عصياً على الاندثار.. هناك من يأتي ليعيش تجربة فريدة، يختبر فيها حدود القدرة، وهناك من يأتي ليبحث عن سكينة الروح، فيحقق كلاهما ما جاء من أجله.

في المواسم الماطرة، يكسو الضباب القمم، ويغدو الدرب لوحةً من الغموض والجمال، تستدرج محبي التصوير والمغامرات.. وفي الصيف، تتلألأ الصخور تحت أشعة الشمس، ويزدحم المكان بأصوات الطيور وصرير الحشرات، وتضفي الألوان المتناثرة على سفوح الجبال بهجةً خاصة.

رمزية الدرب..

“درب الجمالة” ليس طريقاً عادياً، بل هو سردية حية تختزن بين تضاريسها قيم الشجاعة والصبر والإصرار.. هو رمز لماضٍ لم يغادر الذاكرة، ودليل على عراقة الإنسان في مواجهة الجغرافيا القاسية.. هنا، يتعانق الإنسان مع الطبيعة، فتحتفي الجبال بضحكات السالكين، وتروي الأشجار قصصهم للريح.

ربما لن يعرف الكثيرون السر الدفين لهذا الدرب، إلا أن من يمشيه يدرك كم يحتاج من خطوات ليولد الشغف، وكم من صبر ليكتمل الحلم، وكم من حنين ليظل الماضي حاضراً في تفاصيل المكان.

حين تكتب الأقدام قصائدها

وفي نهاية الرحلة، يعود السالكون وقد تبدلت أرواحهم، وكأنهم خرجوا من بوتقة الزمان بأجنحة جديدة، يحملون معهم رواية عن مغامرة لا يشبهها شيء.. يهبطون من الجبل وهم أكثر التصاقاً بأرضهم، وأكثر فهماً لمعنى الصمود. يبقى “درب الجمالة” محفوراً في ذاكرتهم، كندبة جميلة تعيدهم في كل مرة إلى ذلك الفصل من التاريخ، وإلى تلك اللحظة التي اكتشفوا فيها أن الجبال لا تتكلم إلا مع من يسمعها بقلبه.

هكذا، يبقى الدرب حياً، تستمر فيه الحياة، وتتناقل الأجيال حكاياته، فيظل عبق التاريخ يسكنه، وتمشي الحكاية على جباله، كما تمشي خطوات المغامرين، لا تكل ولا تمل.

 

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

  1. ماشاء الله تبارك الله ..

    من هذا الكاتب واين مقالاته السابقه الحقيقه ادهشني كثيراً ماخطه هذا الكاتب في مقاله الرائع فقد ابدع في وصفه واختياره للجمل الرنانه حول هذا الطريق – درب الجماله – مما جعلني اتلهف وبشده لخوض هذه التجربه والصعود لقمة الهدا عبر هذا الطريق لكي استمتع بوصف كاتبنا القدير ومشاهدة نبات الظميران المتوج اميراً في بلاط الطبيعه يالجمال هذا الوصف ..
    لله درك كاتبنا القدير على مانقلته لنا في هذا المقال من وصف رائع لسحر الطبيعه والارث التاريخي لهذا الدرب ..
    نشكرك من الاعماق على هذا التألق والابداع ونتمنى ان نشاهد مقالاتك دوماً وابداً ..
    دائماً صحيفة احوال تبحث عن افضل الكتاب لنشر مقالتهم لكي نستمتع بقراءتها شكراً لرئيس تحرير صحيفة احوال سعادة الاستاذ/ صالح الكناني على حسن الاختيار ..

    دمتم بوووود.’

  2. مبدع الاخ عاطف الرفاعى كما عرفناه محب للرحلات هاوي وعاشق لها ممن عرفت يجعل رحلتك مليئة بالحب والسعاده وسيع خاطر محب لكل جديد ولكل مكان لم يكتشف يبادر بكشفه من الناقلين لمنظر مشرف للسياحة في المملكه العربيه السعودية محب للطايف وآهلها يحب يتمتع بكل دقيقه فراغ يحصل عليها كلي فخر بهذا الانموذج المشرف المتألق

  3. ماكتبه الاستاذ عاطف عن درب الجمالة انه روعة في التعبير وسهولة في المعتى ويشمل كثير من روائع البلاغة وهنا ايقنت انه مع الوقت او في المواقف يظهر باطن الانسان على السطح عاجلا ام آجلا كما ظهر اخونا عاطف بكتاباته الرائعة فهو يحمل الجمال في داخله ولن يفيض منه الا الجمال سطرت جمال درب الجماله وتاريخه في موجز يجبر الكتاب والمثقفين على قراءته رائع يابو البراء

  4. شكرا للأستاذ عاطف عدنان الرفاعي على هذا الإبداع الأدبي في مقاله الأول بصحيفة أحوال.
    لقد رسم بكلماته لوحة نابضة بالحياة, حملتنا عبر “درب الجمالة” بين عبق التاريخ وسحر الطبيعة, فلامس وجدان القارئ وأحيا الذاكرة الصورية للمكان.
    نبارك له هذا التألق, ونتمنى له دوام النجاح والإبداع, ومزيدا من المقالات التي تشعل الشغف وتغني المحتوى الثقافي لرياضة الهايكنج.

  5. يجيد ابا البراء رسم لوحات بصريه حيه للقارئ فكأنك ترى الجبل والغيوم والصخور والطيور والنباتات بجميع المقاسات كل هذا تجعل القارئ يتخيل المكان بوضوح ويشعر بأنه جزء من المشهد، لافض فوك ابا البراء وسلمت يداك وسلم قلمك 🖊️ السائل المتدفق بالإبداع والجمال

  6. أسفرت وأنورت (أحوال )بأجمل مقال
    الرفاعي والقلم الإبداعي ✍🏼بدفع رباااااعي 🏋🏻‍♀️

  7. ماشاءالله تبارك الله الأستاذ عاطف كتب عن درب الجمالة بعناية وصدق وصف الدرب وكأنه يعرف أن للمغامرون وعشاق التسلق حكايات مع هذا الدرب الذي ينبثق عبق التاريخ كيف لا وهو يتوسط جبل الهدى الذي يربط بين مكة وعروس المصايف الطايف الأستاذ عاطف تحدث عن درب يحمل ذكريات أؤلائك الآباء والأجداد الذين كانوا يسلكون الدرب الجمالة الجميل بارك الله في قلمك وذاكرت وافكارك أبا البراء أنت كاتب مبدع كتب الله أجرك ورفع قدرك ومنزلتك في عليين من الجنة لقد اخذتنا في رحلة جبلية وكأنك تعرف مدى حبنا إلى درب الجمالة.

  8. أجمل مقال قرأته عن معالم الطائف السياحية
    بقلم المبدع أ – عاطف . بارك الله فيك ولافض فوك
    معالم الوطن السياحية بحاجة إلى مزيد من الإهتمام الإعلامي … نشكر صحيفة أحوال ونكرر الشكر للكاتب

زر الذهاب إلى الأعلى