أسمعتم بإنسان يولد مرتين؟

أ. عاطف عدنان الرفاعي
هل سمعتم بإنسان يولد مرتين..؟ الأولى حين صرخ في وجه الحياة، والثانية حين ابتسم لأول مرة في حضرة من أعاد تشكيل روحه؟
نعم، هناك ميلادان لا يُنسى أحدهما، ولا يُعاش الآخر إلا مرة واحدة… عند لقاء الأحبة.
في الميلاد الأول، نخرج إلى الدنيا نحمل اسمًا، ونبصر نور الحياة بأعين لا تزال تجهل معنى الضوء. نولد على صرخة، بين دموع وأدعية، يُكتب لنا عمر لا نعلم إلى أين سيمضي.. تفتح أعيننا على عالم مزدحم، لا نعرف منه شيئًا سوى دفء الأم، وصوت الأب، ونظراتٍ باهتة تترقب تفاصيلنا الصغيرة. إنه ميلاد الجسد.. لحظة البداية فحسب.
لكن.. الميلاد الحقيقي لا يأتي من رحم الأم فقط، بل من رحم اللقاء.
الميلاد الثاني لا تصاحبه صرخات، بل سكونٌ عميق، وطمأنينة تتسلل إلى القلب كأنها وُلدت فيه.
إنه يحدث فجأة، دون موعد.. نظرة تفتح أبوابًا مغلقة، كلمة تلامس جرحًا قديمًا، يدٌ تمتد في الظلام وتقول: “أنا هنا.” عندها نولد من جديد.. نولد حين نجد من يُبصر فينا ما غفل عنه الجميع، حين نشعر أننا مفهومون بلا شرح، ومحبوبون بلا شروط.
هناك من يولد ليعيش، وهناك من يعيش لأنه وُلد في قلب أحدهم.
الفرق بين الميلادين واضح وجوهري.. في الأول، نحن نأتي إلى الدنيا بلا اختيار. في الثاني، نبدأ حقًا في عيشها.
في الميلاد الأول، يُكتب لنا القدر، وفي الثاني، نكتشف قيمتنا.
الميلاد الأول يمنحنا الاسم، أما الميلاد الثاني فيمنحنا المعنى.
ليس كل من وُلد عاش، فثمة من لم يُولد حقًا إلا عندما عرف الحب، أو ذاق دفء الصداقة، أو وجد في قلب آخر مكانًا آمنًا يسكنه. بعض اللقاءات في حياتنا لا تمر عبثًا، بل تأتي لتبعث فينا الحياة من جديد.
فكّر قليلًا: من هم أولئك الذين أعادوك إلى نفسك؟ من احتضن وجعك وأحبك كما أنت؟
وهل منحت يومًا أحدًا ميلادًا جديدًا بابتسامة، أو احتواء، أو كلمة صادقة؟
نولد حين تُرى أرواحنا لا أشكالنا، حين يُحتفى بنا كأننا الحياة ذاتها.
في هذا الزمن، لا نحتاج فقط إلى من يرانا، بل إلى من يُحيينا.
ميلادنا الثاني ليس تاريخًا يُكتب في وثيقة، بل لحظة تتغلغل في أعماقنا وتترك أثرًا لا يُنسى.
ختامًا…
هناك من يولد من رحم أم، وهناك من يولد من قلب أحبّه.
الميلاد الأول قَدَر، والميلاد الثاني اختيار، ونعمة لا يعرفها إلا من ذاقها.




شكرا للأستاذ عاطف الرفاعي على هذا المقال البديع الذي لامس أعماق الروح، وعبر عن مشاعر يعجز اللسان أحيانا عن وصفها. لقد أبدعت في وصف “الميلاد الثاني” الذي لا يحتاج إلى شهادة ميلاد، بل إلى لحظة صدق تلامس القلب وتوقظه للحياة من جديد. كلماتك كانت دفئا ووعيا، تذكرنا أن أجمل لحظات العمر قد تبدأ بابتسامة أو حضن محبة صادق. دمت مبدعا ملهما ياصديقي.
ماأروعك أيها الكاتب المبدع !!!
لقد احترت أي جملة في المقال تستحق أن تكون مثلاً يجري على ألسنة الناس !!!
فوجدت المقال كله يستحق التأمل ؛ فالحب هو أعلى مرتبة في سلّم الإنسانية ، ولقد وضع الكاتب الحب في المكان الذي يستحقه نعم ( ثمّة من لم يولد حقاً إلا عندما عرف الحب ) .
ما شاء الله تبارك الله مقال جميل من المقالات النادرة بارك الله فيك أستاذ عاطف سلمت أناملك وسلمت أفكارك الحقيقة أنك مبدع زادك الله علماً ومعرفة زدنا من ينابيع ثقافتك وإبداعك فلله درك أيها الكاتب الموفق دائماً اختيارات لمواضيع في غاية الأهمية أستاذ عاطف لديك مكنون ثقافي فلاتبخل علينا استمر واعلم أننا نتابع مقالات لعلنا نقتبس منها مايطور ثقافتنا ومواهبنا هذا المقال له طابع خاص يحمل بصمة ابا البراء عاطف الرفاعي رفع الله قدرك ومقامك ومنزلتك في عليين من الجنة.