مقالات

استبعدو “توم وجيري” من الحفلات

Listen to this article

أ. صالح بن خميس الزهراني

إذا كنا متفقين مع الدكتور عمر الإبياري في مؤلفه “برامج النقد الساخر: النشأة والتقنيات”، بأن السخرية فنٌّ راقٍ يُظهر التناقضات والأفكار السلبية بطريقة تدفع المتلقي لمواجهتها دون تصادم مباشر، فإن النقد الساخر يتجاوز ذلك، لأنه لا يكتفي برصد السلبيات، بل يوازن بينها وبين الإيجابيات ليوقظ فينا روح التقييم الموضوعي ويكمّل عناصر النقد البنّاء.

ومن الأمثلة اللافتة على هذا الأسلوب، ما يقدّمه “فنان الديرة” عبر حسابه في منصة “إكس” @aburamialzahran ، حيث تُلامس تغريداته جوهر النقد الساخر، وتستحق التوقف أمامها لما فيها من عمق فني وبساطة توصيل.

من أطرف وأذكى ما قاله في هذا السياق تغريدته التالية:

“إذا أردتم نجاح أي حفل لديكم – مهما كان نوعه:
تكريم، مهرجان، عزيمة خاصة أو عامة –
استبعدوا (توم وجيري)
لا تعزمونهم، لا تعطونهم فرصة يتقدمون المشهد،
لا تضعوهم في لجنة، ولا تسمحوا لهم بالكلام…
وأنا أضمن لكم نجاح كل احتفالاتكم.
لا تؤاخذوني، الرمان تفقش!”

هذا النموذج من السخرية يُعبّر عن موقف اجتماعي واقعي بأسلوب ذكي، إذ يُحاكي مشهدًا نعرفه جميعًا: أولئك الذين يتصدرون المناسبات بلا استحقاق، ويحولونها إلى مشهد عبثي، تمامًا كما تفعل الشخصيتان الكرتونيتان “توم وجيري” حين تخطفان الأحداث من سياقها المنطقي.

النقد الساخر هنا لا يهاجم الأشخاص مباشرة، بل يعري الفكرة والسلوك من خلال إسقاط رمزي على شخصيات معروفة ومحببة، فينقل الرسالة بمرونة وبدون تشنّج.

ونحن بلا شك نعرف من تصدّر المشهد الاجتماعي والإعلامي، رغم غياب الإنجاز أو التجاوز على أهل الاستحقاق، بل وقد يتجاوز بعضهم فينسب لنفسه أو لقبيلته ما لم يُفوَّض به، أو يمنح لنفسه الحق في التحدث باسم الجميع دون مشورة ولا أهلية، بل وحتى دون احترام للأنظمة الرسمية.

ومن مظاهر هذا العبث، أن يُلقَّب كل من صعد منصة بـ”الشيخ”، مع أن هذا اللقب في السعودية لا يُطلق إلا على اثنين: القاضي، وشيخ القبيلة المعروف رسميًا. أما غير ذلك فهو تجاوز للنظام ومخالفة نظامية.

بل نجد أحيانًا من يُكرَّم على حساب المجتهدين، دون أن نعرف له أثرًا أو فضلًا، سوى كونه “يعرف فلانًا أو ارتدى بشتًا”. ويستغل بعضهم تلك المناسبات ليُحيي العصبية القبلية، التي جرّمتها النيابة العامة واعتبرتها من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، وعقوبتها تصل إلى السجن خمس سنوات والغرامة بثلاثة ملايين ريال، لما فيها من مساس بالنظام العام.

ماذا بقي لي أن أقول: يبقى الفن الساخر أداةً راقية للتعبير، لا تقف عند حدود التهكم، بل تحفّز على التصحيح. ولعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى من يحمل هذا الفن بوعي ومسؤولية، ويضع “توم وجيري” في مكانهما الطبيعي: خلف الشاشة، لا أمام المنصة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى