مقالات

حتى لا ننسى النّعم..!

Listen to this article

 أ. محمدالقرني أبو فيصل

#قصة حقيقية

منذ عدة سنوات وفي أحد أيام شهر رمضان، قرر أبناء رجل مسن يسكن في قصر بمدينة الرياض أن يسافروا إلى منطقتهم فى الجنوب لزيارة بعض أقاربهم، وقد دعوا أبوهم لمشاركتهم السفر والزيارة، لكنه اعتذر.. رغبة في الراحة..

غادروا الرياض تاركين والدهم وحيداً في القصر.

لم يكن يشكو من أي مرض، بل كان نشيطاً، يخرج إلى المسجد للصلاة ويعود إلى منزله.

يقول عن نفسه: كنت أشعر بالعافية والحيوية والحمد لله.. في ذلك اليوم صليت العصر ، وعدت إلى البيت، وخلعت ملابس الخروج، وارتديت ملابس المنزل، ثم أردت الصعود إلى الطابق العلوي.

كان لدي مصعد داخلي، وبطبيعتي لا أستخدمه إلا إذا كان أحد أبنائي في المنزل، ولكنني في ذلك اليوم كنت متعبًا قليلًا، وصائمًا، فقررت استخدامه وحدي – لقدَرٍ أراد الله أن يقضيه سبحانه..!

ركبت المصعد وضغطت الزر للصعود، وما إن بدأ المصعد بالتحرك قليلاً حتى انقطعت الكهرباء..! وانطفأت الأنوار وساد الظلام والسكون في هذا الصندوق الحديدي .

حاولت مرارًا الضغط على الأزرار، ولكن دون جدوى.

ومن العجائب أنه لم يكن معي هاتفي المحمول، ولا أحد فى المنزل ولا وسيلة تواصل.

جلست داخل المصعد أنتظر أن تعود الكهرباء، وأنا أُقدر أن الانقطاع لن يطول .. دقائق قليلة فقط… لكن مرت نصف ساعة، ثم ساعة، وامتد الوقت حتى وصلتْ إلى ست ساعات، وأنا محبوس في هذا الصندوق..!!

في ذلك الظرف تملكني شعور يجمع بين الخوف والقلق والمحاسبة النفسية.

جلست أفكر في النعم التي أعيشها: قصر، أموال، أبناء، راحة ، حياة مستقرة… ولكنني الآن، عاجز عن أن أصل إلى هاتفي الذي لا يبعد عني سوى أربعة أمتار.

ولا أستطيع حتى الوصول إلى أي شخص، ولا إلى أي شيء حولي. وفي قلب مدينة الرياض، ومحاط بالناس، ولكن لا أحد يسمعني، ولا أحد يعلم بمكاني..!

كم هو الإنسان ضعيف جداً حتى وإن ادعى القوة، واغتر بالنفوذ والسلطة، وطغى بما يملك من المال والمكانة !

أذّن المؤذن لصلاة المغرب، فتيممت على بلاط المصعد وصليت. وجلست أسبح وأستغفر الله، ثم أتى وقت العشاء فتيممت مرة أخرى وصليت.

وهنا بدأتُ أستحضر قصصًا من القرآن الكريم.. يونس عليه السلام في بطن الحوت، وظلمات البحر، حينما أناب واستغفر وقال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين).

وتذكرت الثلاثة الذين حُبِسوا في الغار، ودعوا الله بأخلص أعمالهم الصالحة.

فقلت: يا رب، إن كنت قد وفقتني لشيء من الخير والعمل الصالح وقبلته، فارحمني، وفرّج عني مما أنا فيه كما فرّجت عنهم”.

وبقيت على هذا الحال، أسبّح وأدعو الله وأستغفر، حتى عاد التيار الكهربائي بعد العشاء، ولكن المصعد لم يتحرك..! ويبدو أنه يحتاج إلى إعادة برمجة.

ضغطت الأزرار مرارًا دون جدوى، وانطفأ التيار مرة أخرى..!

شعرت في هذه الساعات القلقة بالضعف والعجز التام. فلا أفطرتُ، ولا أكلتُ ولا شربت، وأنا مريض بالسكري.

وتساءلت: كم نحن مقصرون في حق الله..؟ وكم نحن غافلون عن الكثير من نعم الله السابغة علينا..؟ ولكن مع الأسف.. لا نشعر بوجودها وقيمتها إلا إذا فقدناها وعشنا ضدها..!

فوضتُ أمري إلى الله، وتوكلت عليه، واستسلمت لقضائه وقدره الذي دائماً يكون خيراً، وقلت في نفسي: عسى أن تكون خاتمتي شهادة، إن شاء الله تعالى . وبعد نحو ربع ساعة، عاد التيار الكهربائي من جديد.

فسارعت للضغط على الزر، فبدأ المصعد بحمد الله يتحرك. وثواني قليلة وقد وصلت الطابق العلوي وانفتح الباب، وخرجت منه فرحاً على عجل.. حيث شعرت وأنا أخرج.. كأنني خرجت من القبر ..!! وأني عدت بفضل الله إلى الحياة .. من جديد..!! خرجت منه وأنا في حالٍ لا يوصف: من الضيق والحزن، والوجه الشاحب، والملابس المبتلة من العرق .. ووالله لو قيل لي حينها:

هل تعطينا قصرك وكل أموالك، مقابل أن تخرج من هذا المصعد ( هذا القبر ) لقلت: موافق، خذوها كلها وأخرجوني للحياة ..!! وختم قصته معتبراً ومذكّراً قائلاً:

في لحظة واحدة، تغيّرت الدنيا في عيني، وانقلبت عكس الاتجاه..! كنت أعيش في النعم، فإذا بها تسجنني. وكنت أملك كل شيء، وفجأة لم أعد أملك شيئًا.. وحينها أيقنت أن الفرج لا يكون بقوة، ولا بمال ولا بمنصب، بل هو بيد الله وحده.. وأننا -نحن الأحياء- ملوكٌ على الحقيقة بما نملك من نعمة العمر والوقت، والصحة والعافية، والحرية والإنطلاقه.. وأن الإنسان، مهما بلغ من النعم الكثيرة، فإنه يبقى ضعيفًا جداً، ومحتاج إلى ربّه ومولاه في كل دقيقة ولحظة ليرعاه ويحفظه ويتولاه .. 

المصدر: @abofisal56

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى