مقالات

بصمة الإنسان في الحياة

Listen to this article

صالح بن خميس الزهراني

لكل إنسان بصمة في الحياة، قد تبقى خالدة بعد رحيله بمئات السنين، وقد تنطفئ بغيابه كشمعة لم تكتمل.. فالبصمة ليست مجرد أثرٍ مادي، بل هي حضورٌ إنساني يمتد في الذاكرة والتاريخ، يُخلّد صاحبه بما قدّم من فكرٍ أو علمٍ أو أثرٍ نافع.

ومن هذ كيف يمكن تتبّع بصمات الأوائل من أبناء زهران الذين رحلوا من جوار سد مأرب في رحلة الأزد الكبرى قبل أكثر من مئة وخمسين عامًا قبل الميلاد، ليستقروا في موطنهم الحالي، حاملين معهم إرثًا تليدًا من المجد والقيادة والمعرفة؟

فقد ترك أبناء زهران بصماتهم في التاريخ العربي والإسلامي، ومن أبرز من وثّق ذلك الأديب والباحث قينان جمعان الكناني الزهراني – رحمه الله – في مؤلفه القيم “من أعلام زهران”، الذي بدأه بسيرة مالك بن فهم الدوسي الزهراني، مؤسس مجد الأزد في عُمان، واستمرّ في توثيق أكثر من ثلاثين شخصية كان لهم أثر بارز في مسيرة الأمة.

كان المؤلف – رحمه الله – يطمح إلى الغوص إلى عمق جذور التاريخ الزهراني جوار سد مأرب، لكن القدر اختطفه قبل أن يتم مشروعه البحثي، فبقي عمله إرثًا علميًا خالدًا ومرجعًا لا غنى عنه للباحثين في تاريخ المنطقة.

نعود إلى مالك بن فهم بعد أن غادر موطنه الأصلي دوس في زهران متجها إلى عُمان، حيث أسّس دولة ازدهرت في عهده، وتولى أبناؤه من بعده الحكم، منهم جذيمة الأبرش الذي مدّ نفوذه إلى الخليج والعراق، وسُليمَة بن مالك الذي حكم كرمان الفارسية في إيران.. ولسُليمَة قصة إنسانية مأساوية حين قتل والده مالكًا بالخطأ، وهي من القصص التي خلدها التاريخ كأحد أعظم دروس القدر والمصير.

ومع بزوغ فجر الإسلام، سطعت من زهران أنوار الإيمان، فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي – رضي الله عنه – وكثير من قومه وكان من أوائل الدعاة إلى الله في قومه، فانتشر الإسلام في ديار دوس، وساهم أبناؤها لاحقًا في الفتوحات الإسلامية، وبرز منهم القادة والعلماء في الحجاز والعراق وشمال أفريقيا والهند والسند والأندلس.

ومن يتتبع أثر زهران في التاريخ الاسلامي العربي يدرك أن بصمتهم كانت وما زالت حاضرة في كل حقبة من حقب الحضارة.

هذا الامتداد التاريخي يجعلنا نقول بثقة إن قبيلة دوس هي الأكبر في زهران، وإن زهران نفسها تمثل واحدة من أوسع القبائل العربية انتشارًا وتأثيرًا. ومن ينظر في فروعها الممتدة في الجزيرة العربية، يدرك أن أثرها لم يكن محصورًا في المكان، بل تجاوز الحدود إلى العطاء والفكر والقيادة.

وللتاريخ أبواب مفتوحة، يكتبها من يملك الدليل لا من يرفع الشعارات، ومن أراد المناقشة فليأتِ بالحجة من وثيقة، فالحوار العلمي هو السبيل لحفظ الهوية من التزييف والنسيان.

ومن ذلك ليس من السهل تتبع البصمات الفكرية أو الإعلامية في أي مجتمع، لكنها ليست مستحيلة حين تتوفر المعلومة الصادقة والأمانة في نقلها وتحليلها. . كل قلم يوثق سيرة أو ينشر قصة أو يُنير طريقًا، إنما يضيف بصمة جديدة في سجل الإنسانية.

لقد علمتني تجارب الحياة أن كل إنسان قادر على أن يترك أثرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، وأن بصمته لا تزول ما دامت صادقة النية وعميقة الأثر.. فلا تظن أن بصمتك ستندثر؛ فكل أثر تتركه، خيرًا كان أم شرًا، سيبقى شاهدًا على مرورك في هذه الحياة.. فمن مأرب إلى زهران، ومن زهران إلى الأندلس، رحلة امتدت أكثر من الفين سنة مضت.. حملت فيها بصماتٍ لا تزول وأسماءً لا تُنسى. ويبقى الأمل أن ينهض جيل اليوم بمسؤولية التوثيق، فيكتب للتاريخ صفحات جديدة تليق بماضٍ خالد ومستقبلٍ يستحق الفخر.. فيصنع له بصمة تاريخية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى