مقالات
الأقربون أولى بالمعروف… حين يبدأ الخير من البيت

أ. معيض المجلد*
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتشعب فيه العلاقات، يبقى صوت الرحمة يهمس في القلوب: ابدأ بمن حولك… بمن يعرفونك وتعرفهم، بمن يجمعك بهم رحمٌ وذكريات ودموع وفرح. فقاعدة “الأقربون أولى بالمعروف” ليست مجرد عبارة متداولة، بل مبدأ إنساني أصيل يعكس روح الإسلام في التكافل والتراحم.
ورغم أن هذه العبارة لم ترد بهذا اللفظ الحرفي في القرآن الكريم أو السنة النبوية، إلا أن معناها ثابت تؤيده نصوص شرعية كثيرة، تؤكد أولوية الأقارب في البر والإحسان والإنفاق. يقول الله تعالى:
{قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215،
ويقول سبحانه: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75 ].
وفي السنة النبوية، يوجّهنا المصطفى ﷺ بقوله:
“ابدأ بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك” (رواه النسائي وصححه الألباني).
إنه توجيه نبوي يرسم لنا خريطة العطاء، ويضع الأولويات بميزان الرحمة والمسؤولية.
الصدقة التي تصل الرحم
حين يمدّ الإنسان يده بالعون لقريب محتاج، فإنه لا يمنحه مالًا فحسب، بل يمنحه دفئًا وأمانًا وكرامة. والإنفاق على القريب المحتاج ليس صدقةً عادية، بل هو صدقة وصلة رحم في آنٍ واحد، يجتمع فيها أجران، ويتضاعف فيها الأثر. فهو يسدّ حاجة، ويجبر خاطرًا، ويُحيي رابطة قد تضعف إن غاب عنها السؤال والاهتمام.
دوائر المسؤولية تبدأ من الأسرة
تشمل هذه القاعدة مجالات متعددة؛ فالنفقة الواجبة على الزوجة والأبناء مسؤولية شرعية مباشرة لا تقبل التفريط، ثم يأتي بعد ذلك باب الإحسان المستحب إلى الإخوة والأخوات وسائر الأقارب من أعمام وعمات وأخوال وخالات، كلٌّ بحسب حاجته، وكلٌّ وفق قدرة المنفق.
ويراعي الإسلام في ذلك مبدأ القرب فالأقرب؛ فيبدأ الإحسان بالوالدين، ثم الأبناء، ثم الأقربين درجةً فدرجة، حتى ينتظم العطاء في صورة عادلة ومتوازنة، تحفظ كرامة الأسرة، وتقوّي بنيان المجتمع.
من فقه الرحمة..
ليس من الوفاء أن يمتد خير الإنسان إلى البعيدين، بينما يعاني بعض أقاربه ضيقًا أو عوزًا أو حاجةً مكتومة. ومن أجمل صور البر أن تُعين قريبك قبل أن يضطر للسؤال، وأن تطرق بابه بيدٍ معطاءة وقلبٍ رحيم، لا بانتظار طلبٍ أو شكوى.
ففي مراعاة الأقرب فالأقرب في النفقة والصدقة والهدايا، يتحقق معنى العدالة في العطاء، ويُصان نسيج الأسرة من التفكك والجفاء.
نحو مجتمع أكثر تراحمًا
إن تفعيل قاعدة “الأقربون أولى بالمعروف” في حياتنا اليومية يصنع شبكة أمان اجتماعي تبدأ من البيت، ثم تتسع دائرتها حتى تشمل المجتمع بأسره. فحين يتكافل الأقارب، تخفّ وطأة الحاجة، وتترسخ مشاعر المسؤولية المشتركة، ويكبر في القلوب معنى الأخوّة والرحم.
إنها دعوة صادقة إلى إعادة ترتيب أولوياتنا في العطاء… أن نبدأ بمن هم أقرب إلينا، فنكون لهم سندًا قبل أن نكون لغيرهم، ورحمةً قبل أن نطلب الرحمة.
- اعلامي سعودي مؤثر صورة وصوت وحرف.. قائد سناب العرب وصوت إنساني من الباحة.



