مقالات

أين هم؟

Listen to this article

الباحث الأمني لواء م/ طلال محمد ملائكة

أشعر بمرارةٍ وحسرةٍ على سنواتٍ طويلةٍ قضاها عددٌ من المسؤولين في العمل الحكومي، وآخرون في القطاع الخاص المرتبط بمصالح الدولة وشؤونها العامة. سنواتٌ من الخبرة والتجربة والمسؤولية، كان يُفترض أن تبقى أثرًا ممتدًا بعد التقاعد.

تقاعدوا… فأصبح بعضهم — وللأسف — «متقاعدًا» بالمعنى الوظيفي فقط، لا بالحضور الفكري أو الوطني.
منهم أصحاب المعالي، وأصحاب السعادة، وحملة الرتب العليا، والدكاترة، وأصحاب الخبرات التراكمية. ولا يفوتني أن أُشير إلى أن في ركاب هؤلاء أيضًا أشباه مثقفين، وأشباه إعلاميين، ومشاهير منصات لا يعنيهم سوى عدد المتابعين، والتصوير في المناسبات والاحتفالات، وتسويق الصورة أكثر من الفكرة.

مرارة المشهد لا تكمن في التقاعد ذاته، بل في الصمت.
صمتٌ عن نشر الوعي، وصمتٌ عن إيقاظ الإدراك الجمعي، وغياب المبادرات الوطنية، خصوصًا في ظل ظروف جيوسياسية دقيقة وخطيرة تحيط بالوطن والمنطقة.
مع أن هؤلاء يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، ويدركون تمامًا أهميتها وتأثيرها، إلا أن حضورهم في القضايا المصيرية باهت أو محدود.

أحدهم قال لي: «لقد نشرت في موقعي عن أزمة حضرموت والجنوب».
تحققتُ بنفسي، فوجدت منشورين أو ثلاثة منسوخة، وسط مئات الرسائل والصور التي يروّج بها لنفسه. وهنا يكمن السؤال: أين الأثر؟ وأين المبادرة؟ وأين الدور الذي يليق بتاريخٍ من العمل والخبرة؟

لا أعلم لماذا تذكّرت تلك السيدة الفرنسية البالغة من العمر 85 عامًا، التي أسهمت بشكل مباشر وفاعل في الإبلاغ والمساعدة في كشف خلية إرهابية خطيرة في فرنسا. لم يمنعها عمرها، ولا تقاعدها، ولا بعدها عن المناصب، من استشعار مسؤوليتها الاجتماعية والأمنية تجاه وطنها. وهناك آلاف مثلها حول العالم، ممن يرون أن المواطنة مسؤولية دائمة لا تنتهي بانتهاء الوظيفة.

إن وطننا، المملكة العربية السعودية، يمر بمرحلة دقيقة، تستحضر في ذاكرتي أجواء ما قبل حرب عام 1973، من حيث التوترات والتحولات الإقليمية. وزاد المشهد تعقيدًا أن الاحتلال الإسرائيلي بات يتحرك في العلن، مدعومًا من قوى معلومة، وبمساندة بعض المتواطئين أو المتماهين معه في المنطقة، في ظل سياسات دولية رُفعت فيها شعارات كبرى من قبيل «أمريكا العظمى»، وما تبعها من مواقف وتصريحات لإدارات متعاقبة وشخصيات سياسية مؤثرة.

إن المرحلة تستدعي يقظة فكرية، ومسؤولية وطنية، وحضورًا معنويًا وإعلاميًا من كل صاحب خبرة أو رأي.
انهضوا ولا تضعفوا، ولا تتركوا الساحة للضجيج الخاوي. فكما شهدنا في أحداث غزة، فإن الرأي العام العالمي — بمختلف توجهاته — أظهر تعاطفًا واسعًا مع قضايا العدالة والحقوق. ولا ننسى أن أكثر من ملياري مسلم حول العالم يتابعون باهتمام بالغ ما يجري في المنطقة، ويربطهم ببلاد الحرمين الشريفين ارتباطٌ ديني وروحي عميق. وقد شاهد العالم قنوات من عشرات الدول الإسلامية تنقل الصلوات والدعوات، في مشهدٍ يعكس وحدة الشعور وإن اختلفت الجغرافيا.

وأختم بقوله تعالى:
(إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

فلنتوكل على الله، مع الأخذ بالأسباب، وحسن قراءة الواقع، وتعزيز الوعي، وتوحيد الصف، فهذا هو الرد الأبلغ على التصريحات المتطرفة التي صدرت خلال السنوات الماضية عن بعض المسؤولين في إسرائيل، وعلى ما رافق حرب غزة من مواقف وتصعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى