لم أكن أتوقع إطلاقًا أن تنتهي جولتي اليومية في – ممشى الرحاب- والتي اعتدتُ أن أمارس خلالها رياضة المشي بحادث مروري مروع ألحق بسيارتي أضرارًا وتلفيات جسيمة؛ نتيجة ارتطام مركبة يقودها مراهق بسرعة طائشة أثناء محاولته التجاوز بشكل أرعن، وتبين لاحقًا أنه لا يحمل حتى رخصة قيادة تؤهله للصعود خلف المقود.
ولأن الحادث وقع في محيط منطقة مخصصة مسبقًا للمشاة ومرتادي الممشى – حيث يُفترض لزومًا أن تكون السرعات في أدنى مستوياتها، وتكون الأولوية المطلقة لسلامة السلكين والمارة- فقد تداعت إلى ذهني تساؤلات مفزعة: ماذا لو لم تصطدم تلك المركبة بسيارتي المتوقفة أو المارة؟ ماذا لو تصادف وجود طفل بريء في طريقها، أو شيخ طاعن في السن، أو ممارس للرياضة يتنفس الهدوء؟ حينها لن نكون بصدد الحديث عن أضرار مادية أو إصلاح مركبة، بل سنقف فجأة أمام فاجعة إنسانية وخسارة أرواح زكية لا يمكن تعويضها بأي ثمن.
إن المؤسف حقًا هو استمرار بعض الأسر في التساهل والتقاعس، بالترخيص لأبنائها المراهقين بامتلاك مقود المركبة قبل بلوغ السن النظامية ودون الاستحصال على رخصة قيادة؛ وكأن الأمر برمتِه مجرد تجربة عابرة أو مجازفة صبيانية، بينما هو في حقيقته مغامرة غير محسوبة قد تنتهي بكارثة دافقة بالدموع، وتحمّل تلك الأسرة—قبل غيرها—مسؤولية أخلاقية وقانونية وثقيلة أمام المجتمع والنظام.
لقد جاءت الأنظمة المرورية في المملكة العربية السعودية حاسمة وواضحة في مجابهة ظواهر القيادة بلا رخصة والتهور على الطرقات؛ إذ لا تنظر التشريعات إلى هذه التجاوزات بوصفها مجرد مخالفات إدارية بسيطة، بل باعتبارها سلوكًا مجرمًا يهدد السلم المجتمعي والسلامة العامة. ومن هذا المنطلق، فإن التطبيق الصارم والناجز لهذه الأنظمة يشكل الرادع الأول والخط الدفاعي الأبرز لحماية الأرواح.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تتكامل إجراءات مباشرة الحوادث الميدانية لتعكس كافة المخالفات المؤثرة في قواعد السلامة؛ بما فيها الشروع في القيادة دون تسويغ قانوني (رخصة) أو القيادة بسرعات لا تتناسب مع طبيعة الموقع، متى ما ثبتت بالدلالات القطعية والإجراءات النظامية، ضمانًا لتحقيق العدالة المنجزة، وليترسخ لدى المجتمع شعور يتنامى بأن النظام قائم لحماية الحقوق وتأدية رسالته الوقائية قبل الرادعة.
إن الطرقات العامة ليست مضمارًا للتجارب الطائشة، والمركبة ليست أداة للهو في أيدي مراهقين غير مؤهلين. وإن كل تهاون مع هذه الظاهرة المتكررة ليس إلا فتحًا لأبواب حوادث أشد قسوة وفتكًا. فلنجعل من كل حادثة درسًا بليغًا، ومن كل نص نظامي ثقافة مجتمعية راسخة، ولتكن الأسرة الشريك الأول والأهم في حماية الأرواح قبل حماية الممتلكات.