الرئيسية

الجمعيات الأهلية: شريك تنموي فاعل في مسيرة التحول الوطني

Listen to this article

أحوال – عبد الله صالح الكناني 

تُعدّ التنمية في العصر الحديث عمليةً تشاركيةً تقوم على تكامل الأدوار بين مختلف قطاعات الدولة، وفي هذا السياق برزت الجمعيات الأهلية بوصفها أحد أبرز الشركاء في مسيرة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ضمن منظومة تنظيمية وتشريعية تُشرف عليها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية فنيًا، وبالتكامل مع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

تحول نوعي نحو التنمية المستدامة

شهدت الجمعيات الأهلية في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا، انتقلت فيه من التركيز على العمل الخيري التقليدي إلى تبني نماذج تنموية مستدامة، تعالج جذور المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بدل الاكتفاء بالتخفيف من آثارها. ويأتي هذا التحول انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تؤكد أهمية تنمية القطاع غير الربحي ورفع مساهمته في الناتج المحلي وتعزيز أثره المجتمعي.

سد الفجوات وتعزيز التماسك المجتمعي

أسهمت الجمعيات الأهلية، بحكم قربها من المجتمع وقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، في سد فجوات تنموية لم تكن المعالجات العامة كافية للتعامل معها. كما تضطلع بدور محوري في حماية التماسك المجتمعي عبر برامج الدعم الاجتماعي المتنوعة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي، خاصةً أنها غالبًا الأقرب إلى المجتمع والأقدر على فهم احتياجاته الفعلية والتعامل معها بمرونة وكفاءة.

من الإعانة إلى التمكين

على الصعيد الاقتصادي، اتجهت الجمعيات إلى تبني نهج التمكين بدلًا من الاعتماد على الدعم المباشر، من خلال دعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وتنفيذ برامج التدريب والتأهيل المهني، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج. وقد أسهم هذا التوجه في توفير مصادر دخل مستدامة، وتحويل العديد من المستفيدين إلى عناصر فاعلة في الاقتصاد المحلي، بما يتماشى مع أولويات التنمية الوطنية.

أدوار تكاملية في التعليم والصحة والبيئة

وفي مجالات التعليم والثقافة وبناء الوعي، أدت الجمعيات دورًا تكامليًا مع الجهات الحكومية عبر برامج محو الأمية، والدعم التعليمي، ونشر الوعي الصحي والبيئي، ما انعكس إيجابًا على تنمية المهارات وتعزيز رأس المال البشري باعتباره ركيزة أساسية لأي تنمية مستدامة.

كما برز حضورها في القطاع الصحي من خلال تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتنظيم القوافل الطبية، ودعم المرضى غير القادرين، إلى جانب برامج التوعية والوقاية. وفي المجال البيئي، أسهمت الجمعيات في دعم المبادرات البيئية ونشر ثقافة المحافظة على الموارد الطبيعية، في ظل التحديات المرتبطة بالتغير المناخي والاستدامة.

منظومة تنظيمية وحوكمة واضحة

يأتي هذا الدور المتنامي ضمن منظومة متكاملة تقودها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، من خلال الإشراف الفني على منظمات القطاع غير الربحي، وتعزيز أدائها، وتمكينها من أداء دورها التنموي بكفاءة واستدامة عبر التشريعات والبرامج الداعمة، وبالشراكة مع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

كما تعمل الوزارة على توسيع الشراكات بين الجمعيات الأهلية والقطاعين العام والخاص، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد، ويرفع الأثر التنموي، ويضمن مواءمة الجهود مع أولويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المملكة.

ويخضع إنشاء الجمعيات الأهلية في المملكة لمنظومة نظامية واضحة، حيث يتطلب التأسيس التقدم بطلب إلكتروني عبر موقع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، واستيفاء شروط الأهلية النظامية، وإعداد اللائحة الأساسية للجمعية، وتحديد مجلس إدارتها، وفق أحكام نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وذلك بهدف تعزيز الحوكمة وضمان الشفافية وتمكين الجمعيات من أداء رسالتها بكفاءة واستدامة.

الخلفية والأثر المأمول

وفي ضوء النمو المتسارع للقطاع غير الربحي، يُنتظر من الجمعيات الأهلية تعزيز احترافيتها المؤسسية، ورفع كفاءة قياس الأثر، وتنويع مصادر تمويلها، وتوسيع نطاق العمل التطوعي المنظم، بما يسهم في تعظيم أثرها التنموي. كما يُعوَّل عليها في دعم الابتكار الاجتماعي، وبناء شراكات استراتيجية طويلة المدى، وتعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية لدى الأفراد والمنشآت.

وأصبحت الجمعيات الأهلية اليوم شريكًا أساسيًا في معادلة التنمية الحديثة، ضمن منظومة وطنية متكاملة تستهدف بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالة واستدامة، وترسيخ دور القطاع غير الربحي كرافد رئيس في مسيرة التنمية الشاملة بالمملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى