الرئيسيةثقافة

قصة كفاح معلم .. عبدالله بن محمد .. بدءًا بالكتاتيب فـ”الإنجليزية” واليمن … ثم الإشراف التربوي

Listen to this article

.

أحوال – حوار – عبدالحي الغبيشي

.

هذه قصة كفاح معلم، تستحق أن تكتب وتقرأ .. إنه المربي الفاضل الأستاذ عبدالله بن محمد يحيى .. من المعلمين القدامى، الذين حملوا على عواتقهم أمانة التعليم وعاصروه منذ بدايته حيث روى لنا قصة كفاحه، عانى فيها اليتم والفقر والحرمان والغربة وظروف الحياة الصعبة .. ورغم ذلك أستطاع تحويل تلك المعاناة الى نجاح وقصة كفاح، وسأتناول بعض جوانب حياته الاجتماعية والتعليمية.

.

ولد الأستاذ عبدالله بن محمد يحيى الزهراني “الشهير بالدوسري” في قرية آل سلمان إحدى قرى مليكة التابعة لقبيلة بني حسن بزهران عام 1362 هـ 

في أسرة متوسطة الحال توفي والده وهو دون سن التمييز، وتولى تربيتهم والدتهم  -رحمهما الله –

عاشت والدتهم حياة يتم وظروف قاسية  – كما كان له اخ يصغره سنا وتوفي لاحقا واثنتان من الأخوات ، وقد لاقت والدتهم من المعاناة والمشقة الشيء الكثير بعد موت زوجها .. واضطرارها إلى الزواج من شقيق زوجها ليساعدهم بأعباء الحياة والبقاء معهم في نفس المنزل “نظام الجبرا”

انتقلت الأسرة من قرية إلى أخرى فيما يسمونه “بالحلية” وقد حلت بهم عدة مرات في قرى متعددة منها قرية رسبأ وحميم والأثمة.

.

أما بداية حياته التعليمة، فيقول:

كان لنا جار من أبناء العمومة قد سبقني إلى دخول المدرسة وكان إذا أراد المذاكرة صعد على سطح منزلهم المجاور لمنزلنا وأخذ يقرأ بصوت مرتفع حتى نسمعه، عندها أخذتني الغيرة وطلبت من والدتي أن تلحقني بالمدرسة، لكنها رفضت في بادئ الامر خوفا ًعلي، لان المدرسة بعيده عنا، إلا ان اصراري جعلها توافق وذهبت بي إلى بني سار حيث كتاتيب السبالي .. وسلمتني للأستاذ علي السبالي رحمه الله .. واستمريت فيها ثلاث سنوات تعلمت مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم .. وبعد ذلك تركت الكتاتيب.

سافرت إلى مكة المكرمة عند عمي عبدالله الذي قابلته لأول مره واخبرته برغبتي في العمل إلا أنه لم يوافق عليها نظراً لصغر سني، واعادني إلى والدتي في الديرة، عندها افتتحت مدرسة مليكة والتحقت بها فتره بسيطة ثم أعدت الكرة وطلبت من والداتي السماح لي بالسفر وفعلاً سافرت مكة،

وطلبت من عمي أن يوافق ويبحث لي عن عمل، عندها عملت لدى أحد التجار براتب عشرين ريالا، ثم تنقلت في العمل بين عدة محلات إلا إني كنت غير مقتنع بالحال وطلبت من الذين أعمل لديهم أن التحق بإحدى المدارس الليلية.

وتعلمت فيها اللغة والرياضيات وبعض المواد التي لم أدرسها في الديرة، وبعدها طلبت من عمي أن اترك العمل والتحق بالمدارس النظامية وبصعوبة اقنعته بذلك، فذهب بي إلى مدرسة الشامية، وسألوني عن مستواي الدراسي فلم افدهم بذلك وعقدوا لي اختبارا شخصيا ورشحوني بعدها للصف الخامس، وبالرغم من ذكائه رفض خوفا من الفشل وطلب الصف الرابع، وذلك عام 1374هـ 

وقررت أن أعمل في الحرم الشريف مطوفا بين صلاة المغرب والعشاء، وكنت أحصل في بعض الليالي على ريال وفي بعضها الآخر على ريالين . واستمريت فترة من الزمن حتى منعت من ذلك بسبب الرخصة، والرخصة لا تصدر إلا بالتابعية (حفيظة النفوس) التي قطعتها بشق الأنفس، واشتغلت بعدها كمطوف حجاج.

 وبذلك استطعت أن أنفع نفسي وأرسل لوالدتي بعض المصاريف دون أن يعرف عنها عمي .. وتخرج منها عام 1377هـ.

وبعد أن تخرجت من الابتدائية، لم يكن التعليم منتشرا . وكانت المجالات محدودة فتوجهت إلى معهد المعلمين الابتدائي عام 1378هـ . وكانت الدارسة فيه ثلاث سنوات يتخرج بعده الطالب معلما في المرحلة الابتدائية . ويعطى مكافأة شهرية مئة ريال، انتظمت فيه سنة واحده ونجحت وانتقلت إلي السنة الثانية، ثم فتحت مدرسة جديدة اسمها مدرسة التجارة المتوسطة . مدة الدراسة فيها أربع سنوات بعد الابتدائية . بحيث يتخرج منها  الطالب موظفاً بأحد البنوك.

عندها قررت ترك المعهد والتضحية بتلك السنة والالتحاق بمدرسة التجارة . وفعلاً التحقت بها حتى وصلت السنة الثالثة

يقول: لم أكن على قناعة بمدرسة التجارة  . فطلبت من إدارة التعليم السماح لي بدخول اختبار الكفاءة المتوسطة نظام الثلاث سنوات منازل، وكان اختبارات الشهادة فيها بعد اختبار النقل بأسبوعين، وذاك مما شجعني فذهبت لإدارة التعليم وكان مديرها آنذاك عبدالله بغدادي،  وقدمت له الطلب وشرح عليه وجاءت الموافقة وتسلمت مقررات الثلاث سنوات.

وبعد أن تم لي ذلك قررت أن أهتم بالتجارة والانتقال من الصف الثالث إلى الرابع ، اتجهت لدروس المتوسطة وعكفت عليها خمسة عشر يوماً حتى جاء موعد الاختبار وكان في مدرسة الزاهر المتوسطة تحت اشراف لجنة،

انتهت الاختبارات وتوجهت إلى الديرة لقضاء الإجازة بجوار الوالدة . كانت نتائج الشهادات تعتمد من الوزارة وتذاع بواسطة الإذاعة . وكان يتلوها المذيع بدر كريم، وعندما في بدأ قراءة الأسماء صرت ارتعد من الخوف، خاصة وان أغلب نظام الثلاث سنوات – الصعب – نادرٌ النجاح فيها، وماهي إلا لحظات  حتى سمعت اسمي و كنت انا الوحيد الناجح من المدرسة.

 كانت الفرحة عظيمة حتى لو خسرت التجارة ، وفي عام 1382 هـ انتقلت إلى السنة النهائية للتجارة، بعدها يتخرج الطالب وهو يحمل دبلوم التجارة، ويتوظف في البنوك كما هو مقرر، وكنا أول دفعة . وكنت أخاف أن أكون كبش فداء

يقول: سمعت عن فتح معهد جديد يسمى “المعهد العالي” يقبل خريجي المرحلة المتوسطة . والدراسة فيه أربع سنوات – سنتان دراسة عامة وسنتان تخصص – والمكافأة فيه 200 ريال، فقررت  ترك التوظيف في التجارة والالتحاق بالمعهد العالي،

واستمريت في المعهد، وتخصصت لغة إنجليزية، وتخرجت عام 1386هـ، على أن أعمل معلماً للغة الإنجليزي، في أحد المدارس المتوسطة والثانوية، ولكن قدر الله حال دون ذلك

حيث أصدر وزير المعارف حينها الشيخ حسن آل الشيخ قرارا بقفل المعاهد الابتدائية، وتعين خريجي المعاهد العالية في المرحلة الابتدائية، وعينت في المدرسة الناصرية، براتب 728 ريال … اخذ منه 28 لمصاريف الشهر و700 اسلمها لعمي عبدالله .. ولا اعلم عنها شيئا بحكم “الجبرا” . إلا انني كنت غير راضٍ عن العمل في المرحلة الابتدائية  .

……

وهكذا …..

كان الأستاذ عبدالله صاحب نظرة مستقبلية، شغوف وطموح يتطلع إلى الأعلى . وخلال فتره وجيزة حصل على دبلوم المعلمين، ومدرسة التجارة، وشهادة المعهد العالي، ورغم حصوله على تلك المؤهلات إلا أنه كان شغوفاً يطمح الى مواصلة الدراسة الجامعية، لكنه لم يجد جامعة تقبله لا داخل المملكة ولا خارجها . لأن كل الجامعات، تشترط عليه معادلة المؤهل بالثانوية العامة . والوزارة رفضت معادلته ِبحجة انه اعلى من الثانوية بسنة، وأصبحت الأبواب مقفلة أمامه.

يقول: لكنّ إصراري على مواصلة الدراسة جعلني أفكر في كلية الشريعة بالرياض، ولكنها هي الاخرى رفضت طلبه هو واثنين من زملائه لأنها لا تقبل إلا خريجي المعاهد العلمية فقررنا الانتساب بالمعهد العلمي بمكة الكرمة السنة الاخيرة فقط . حتى نحصل على مؤهل المعهد العلمي . وجاءتهم الموافقة ودخلوا الاختبار . ونجحوا والحمد لله.

التحقوا في نفس العام بكلية الشريعة وتخرجوا منها عام 1392هـ .. يقول: بعد التخرج تعينت بالمرحلة المتوسطة بالدمام بالمرتبة السابعة . وفي نهاية العام رجعت إلى مكة وتعينت بمدرسة الزاهر المتوسطة

وفي عام 1397هـ ابتعث للتدريس باليمن وعينت في قرية تسمى المخادر . وكانت معاناة حيث لا يوجد مساكن ولا مطاعم . فاضطررت إلى السكن في سقيفة فوق سطح جبل . وبعدها جاء نقلي إلى تعز ومكثت فيها سنتين . وفي صنعاء سنتين …. ثم عدت الى المملكة عام 1401هـ .. وعينت في مدرستي السابقة.

 وفي عام 1402هـ طلبت نقلي إلى الديرة – الباحة – لظروف عائلية، وعينت في ثانوية الاطاولة .. واستمريت فيها حتى أصبحت وكيلا . ثم مديرا لها، بعد أن تقاعد مديرها السابق الشيخ عبدالله بن يحيي.

ثم رشحت للإشراف التربوي في إدارة تعليم الباحة عام 1406بعد أن سلمت المدرسة لوكيلها السابق أ. حسن القد .. واستمريت في الإشراف التربوي . والتجول بين مدارس الحاضرة والبادية . وتعرفت من خلالها على قرئ كثيرة لم أكن اعرفها ، ومنها قرية آل سلمان حيث كنت اسمع بمقولة امسينا في سلمان واصبحنا في سلمان

وكذلك قرية سعنانه حيث انهم يقولون: “من سعنانه إلى قذانه . فقدانه “.

وفي عام 1422هـ أحلت إلى التقاعد النظامي . بعد حياة حافلة . ومسيرة مليئة بالإنجازات والتجربة المتنوعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى