مقالات

سجود السهو لا يصليـه الشعراء

Listen to this article

أ. هزاع منصور الزهراني

تنساب من بعض أطراف الزمن، ومن عمق واقع الحياة، لحظاتٌ تسبح فيها الكلمات في فضاءٍ فسيحٍ ومداراتٍ مختلفة؛ حينها فقط نعلم يقيناً أن الأمر قد يتعدى أقصى المراحل وأعظم الأبعاد التي يمكن أن تمر بها الكلمة. ولا يكون ذلك إلا من سحر البيان، وفصاحة اللسان العذب الذي يلفظ الحروف والكلمات وكأنها تُنطق لأول مرة في تاريخ اللغة.. حتى وإن كان قد سبق لنا سماعها مراراً أو تكررت على مسامعنا، إلا أنها عندما تُوظّف في موضعها الصحيح عبر مدارات وفضاءات شعرية متعددة الأغراض والمقاصد، تتفرد بحضور ساحر، وتنطق بتميز وإبداع لا مثيل له.

عند تلك اللحظة الاستثنائية، ندرك تماماً أن هناك ألسنةً شعريةً قد تخطت المدارات التقليدية للشعر والكلام العادي. ومن هنا — ومن وجهة نظري المتواضعة — نستطيع أن نعبر بيقين عن هذه الظاهرة فنقول: -إن سجود السهو لا يصليـه الشعراء-.

وليس ذلك القول إلا تعبيراً عن حالة التدفق الفكري المتواصل، وعدم التوقف عن إبراز التميز والإشعاع الشعري على مر الزمان؛ ومثال ذلك ما نراه لدى الشاعر الكبير محمد بن غرم الله الثوابي الزهراني (المعروف بـ “ابن ثامرة” رحمه الله)، في قصائده التي يبتدئ بعضها باسم الله ويختم بعضها الآخر بالحمد والثناء.

وهذا عينُ ما يدفعني بحق إلى تأكيدها مجدداً: إن بعض الشعراء لا يصلون سجود السهو إبداعاً وتوظيفاً، ورسماً للوحات بالكلمات، وصياغةً لأبيات شعرية يقف أمامها الناقد المتفحص والمتذوق العارف بفن الشعر حائراً ومبهوراً؛ كيف وُظّفت كل كلمة في مكانها المناسب تماماً دون تقديم ولا تأخير، وكيف جرى سبكها بلا نسيانٍ أو خطل؟ فيحتار الفكر أمام جمال أبيات القصيد، وغزارة معانيها، ودفء إحساسها.

حقاً، هذا هو ما يصنعه كبار الشعراء وأفذاذهم عبر التاريخ، فلا عجب بعد ذلك كله من سحر البيان، ولا شطط في القول أمام سحر اللسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى