مقالات

رثاء آل الغربي – من مجد الحضور إلى خلود الذكرى

Listen to this article

أ. فاطمة الغربي

كنا نظن أن المشهد سيدوم، كنا نظن أن الوجوه التي كبرنا في ظلها ستبقى حتى نشيخ نحن.

لم نكن نعلم أن الموت كان يقف على عتبة بيتنا، يطرق الباب مرة، ثم يعود مرة، ثم يعود مرة، حتى أفرغ البيت من أهله، وبقيت الجدران وحدها تشهد أنهم كانوا هنا.

لم يكن فقداً واحداً، لو كان واحداً لبكيناه حتى ننتهي، لكنه كان نزيفاً متواصلاً، كلما حاولنا أن نضمد جرحاً، انفتح جرح جديد أعمق منه.

حين سقط السقف

كان أول الوجع هو الذي لا يُحتمل. رحل أبي محمد الغربي.

آه يا أبي، برحيلك لم يرحل رجل واحد، رحل البيت كله. كنت أنت السقف، وإذا سقط السقف فلا شيء يحمي من بعده. أصبحنا عراة أمام برد الدنيا وقسوتها.

أصبحت أدخل البيت فلا أجدك، أنادي فلا أسمع صوتك، أبحث عن رائحتك في ثيابك، عن بقايا صوتك في زوايا المجلس. عرفت يومها أن اليتم لا عمر له، وأننا تيتمنا حتى وإن كبرنا واشتد عودنا.

ثم انكسرت العزوة

وبينما كنا نحاول أن نتعلم كيف نمشي بدون سقف، جاء الموت ليكسر لنا العمود.

رحل أعمامي تباعاً، واحداً تلو الآخر.

يا الله، كيف يتحمل القلب كل هذا؟ كنا نستقوي بهم من جور الحياة وخلوتها، كنا نقول: ما زال لنا أعمام، ما زال لنا سند. ثم فجأة لم يعد لنا أحد.

رحلوا وهم يحملون معهم آخر ما تبقى من هيبة العائلة وقوتها. كانوا إذا حضروا امتلأ المجلس أماناً، وإذا غابوا شعرنا أن ظهورنا مكشوفة. اليوم ظهورنا مكشوفة تماماً، لا عم يحمينا، ولا أب يغطينا.

أصبحت كلمة عمي تؤلمني، كنت أقولها فخراً، واليوم أقولها فأبكي.

ثم انطفأ الحنان

قلنا لعل الموت اكتفى بالرجال، لعله ترك لنا شيئاً من الحنان يربت على قلوبنا.

لكنه لم يكتفِ.

ذهب إلى عماتي، أخذ الحنونات الطيبات الداعيات لنا في كل صلاة.

رحلن واحدة تلو الأخرى، وكأن كل واحدة كانت توصي الموت أن يأخذ أختها معها حتى لا تبقى وحيدة.

برحيلهن، انطفأ النور الأخير في البيت. لم يعد هناك من يسأل عنا بلهفة، ولا من يدعو لنا بدمعة، ولا من يضمنا كأنه يضمنا للمرة الأخيرة وهو لا يعلم.

كنا حديث الناس وصرنا حديث الحزن

كنا والله حديث الناس ومحط أنظارهم، لم يكونوا يحسدوننا على مال ولا على جاه، كانوا يحسدوننا على ما هو أغلى من ذلك كله، على تواصلنا وتجمعنا وألفتنا.

كانوا يقولون: ما شاء الله آل الغربي لا يفترقون. كنا لا نفترق أبداً، في الفرح مجتمعون، وفي الحزن مجتمعون، على سفرة واحدة، وقلب واحد، وكلمة واحدة. كنا نظن أن هذا الحبل لن ينقطع، وأن هذه اللحمة لن تتمزق.

وها نحن اليوم افترقنا الفراق الأكبر الذي لا لقاء بعده في الدنيا. تفرقت بنا الدروب إلى المقابر، وأصبحنا نجتمع على ذكراهم بعد أن كنا نجتمع بهم. لم يعد يجمعنا صوتهم، بل أصبح يجمعنا الدعاء لهم والبكاء عليهم.

ذهب الذين كنا نتباهى بهم، وبقيت سيرتهم العطرة حديث الناس.

ماذا بقي؟

بقي ستة قبور نزورها، وبقي قلب واحد مثقل بالحزن لا يعرف كيف ينسى.

بقينا نحن أبناء وبنات وأحفاد آل الغربي، نجلس ونعد الغائبين: هذا مكان أبي، وهذا مكان عمي، وهذا مكان عمتي، ثم نبكي لأن الأماكن بقيت وحدها.

تعلمنا متأخرين أن الشوق بعد الموت لا يُطاق، وأن الندم على قبلة لم نقبلها، وكلمة حب لم نقلها، هو أشد من الموت نفسه.

فيا كل من لا يزال أهله أحياء، اغتنموا وجودهم، اشبعوا من ملامحهم، احفظوا أصواتهم، قبّلوا أياديهم كل يوم، فوالله إن الفقد موجع، وإن الموت المتتالي يكسر الظهر كسراً لا يُجبر.

اللهم ارحم أبي محمد الغربي، وارحم أعمامي وعماتي، وكل من فقدنا من آل الغربي.

اللهم إنهم كانوا لنا عزاً فأعزهم في قبورهم، وكانوا لنا ستراً فاسترهم برحمتك، وكانوا لنا حناناً فارحمهم بحنانك الذي وسع كل شيء.

اللهم اجعلهم في بطن القبر مطمئنين، وعند قيام الأشهاد آمنين، وبجود رضوانك واثقين، وإلى أعلى درجاتك سابقين.

اللهم اجبر كسرنا الذي لا يجبره إلا أنت، واربط على قلوبنا التي تمزقت من كثرة الوداع.

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تعليق واحد

  1. لا حول ولا قوة الا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون فعلا ألم الفراق لا يطاق ولكن الله تعالى على كل شيء قدير قال تعالى وبشر الصابرين ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ صدق الله العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى