أ. صالح خميس الكناني
أمن البحر الأحمر وتحدي البلطجة الحوثية: خيارات الردع واستحقاقات الاستقرار الدولي
لم تعد البلطجة الحوثية شأناً يمنياً داخلياً، ولا خطراً محصوراً في حدود دولة أو منطقة؛ فامتلاك الصواريخ منها باليستية وأخرى مجنحة والطائرات المسيّرة، واستخدامها في تهديد الدول والسفن التجارية، حوّل الجماعة إلى مصدر قلق يتجاوز اليمن وجيرانه، ليطال الاقتصاد العالمي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية.
إن استهداف السفن التجارية لا يهدد أطقمها وسلامتها فحسب، بل يربك سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين – وهذا ماحصل من هذه الجماعة الإرهابية -، ويدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، بما يزيد زمن نقل البضائع وكلفتها.. وقد حذّر البنك الدولي من أن اضطرابات البحر الأحمر أثّرت في حركة التجارة ورفعت تكاليف النقل، فيما دعت الأمم المتحدة إلى وقف الهجمات واستعادة حرية الملاحة – وهنا يحق لنا أن نبحث بعمق موقف هيئة أممية تكتفي بدعوة من يهدد العالم بأسره عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب – خاصة إذا ما اعتبرنا أن هذه الجمعية أو قل هيئة الأمم المتحدة تملك الردع من خلال الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة نصه: يمنح مجلس الأمن سلطة اتخاذ إجراءات قسرية، بما في ذلك التدخل العسكري وفرض العقوبات، لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما في حال تهديدهما أو وقوع عدوان.. السؤال هنا متى يتم استخدامه والتوقف عن الدعوة..؟! وإذا ما بحثنا بتمعن هل الدعوة هي مباركة للحوثي وترك ردع البند السابع مكافأة للحوثي ومن يقف في مساره..؟! سنجد اختلافاً في الرؤى الدولية بحسب الثقل مع المحدث..!!
لكن كيف يمكن إنهاء هذا التهديد؟ لا يكفي الرد على الصواريخ بعد إطلاقها، فقد نجد لها تأثيراً عند اعتراضها بما يتطاير منها ويصيب الأعيان المدنية.. إن الحل في وجهة نظري من شقين؛ الأول منهما وضع إستراتيجية متكاملة تبدأ بتجفيف مصادر التمويل غير المشروع للحوثي، وتعقب شبكات التهريب، وتشديد الرقابة على شحنات الأسلحة ومكوناتها عبر البر والبحر، إلى جانب تجفيف مزارع القات التي يقتات منها الحوثي في الحديدة وصعدة والمحافظات التي يسيطر عليها، وقطع الطرق التي منها يتنقل، وفرض حصار على الجبال التي يعتلي هاماتها، ونشر منشورات من الجو فيها دعوات للإستسلام، وهذا أيضاً من وسائل تطبيق العقوبات المستهدفة.
الأمر الآخر تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق الدولي لحماية الملاحة.. وفرض البند السابع مستفيداً مما وثقه فريق خبراء الأمم المتحدة من استمرار محاولات تهريب الأسلحة وتنويع طرق الإمداد إلى الحوثيين.
صحيح أن استهداف الطرق والمنشآت قد يكون له تأثير يضاعف معاناة اليمنيين؛ لكن هذا من الدعم الوطني للمواطنين تجاه حكومة دولتهم اليمنية لأن الأولوية هي تعطيل شبكات الإمداد العسكري بوسائل دقيقة، والتنبه بعدم فتح مجال أمام المساعدات الإنسانية إلا في أطراف المدن والمحافظات التي يسيطر عليها الحوثة حتى لا تُنهب وتُصادر ممن تُسلّم لهم ويعيدون بيعها لتمويل مجهودهم الحربي.
وماذا عن النهاية للحوثي الإرهابي..؟ أجدها اقتربت من خلال استمرار الضغط المالي والرقابي، ومنع تدفق السلاح، وحماية الممرات البحرية، بالتوازي مع مسار سياسي يمني، واستثارة شيوخ القبائل وإشراكهم في العمليات الحربية بما يعيد التحشيد الشعبي جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة اليمنية، مما قد يحدّ من قدرة الجماعة على تهديد المنطقة والعالم. أما ترك هذه الأدوات بلا مواجهة متماسكة، فيُبقي الملاحة والاقتصاد رهينين للتصعيد.
إن أمن البحر الأحمر ليس قضية يمنية وحدها؛ بل مسؤولية دولية، لأن كلفة الفوضى فيه يدفعها اليمنيون أولاً، ثم تتسع آثارها إلى التجارة والأسواق في أنحاء العالم.