حين تتحول الشوارع إلى هضاب وأودية
ضعف الأسفلت وتكرار حفريات الخدمات يهدران المال العام ويستدعيان ممرات موحدة وضمانًا طويلًا
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تنفق الدولة مشكورة مبالغ كبيرة لإنشاء الطرق وسفلتتها وإيصال الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات إلى الأحياء. غير أن ما يحدث في بعض طرق منطقة عسير يثير سؤالًا مهمًا: لماذا يتلف الأسفلت سريعًا، ولماذا يُسمح بإعادة تشويه الطريق بعد اكتماله بسبب تمديدات كان يمكن تنسيقها مسبقًا؟
تظهر في بعض الطرق أخاديد ومطبات طولية وهبوطات متتابعة، إما بسبب عدم ملاءمة الخلطة الأسفلتية للأحمال والحركة المرورية والظروف المناخية، أو ضعف طبقات الأساس والدمك، أو قصور الرقابة والاختبارات عند التنفيذ والاستلام.
ثم تبدأ دورة أخرى من الهدر؛ إذ تأتي مشاريع الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، فيُقطع الأسفلت وتُحفر طبقات الطريق، ثم يُعاد الردم والسفلتة. وبعد مدة تهبط الحفرية أو ترتفع عن مستوى الطريق، فيصبح الشارع أشبه بسلسلة من الهضاب والأودية الصغيرة.
المشكلة ليست في الحفر وحده
يتضمن الدليل السعودي للأعمال المدنية للبنية التحتية متطلبات لإعادة سفلتة الطرق بعد الحفريات، كما أصدرت الجهات البلدية أدلة لمراقبة تنفيذ الطرق واختبارات مواد الرصف. وهذا يعني أن المواصفات موجودة، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بقوة التطبيق، واستقلال الفحص، ومساءلة المقاول عندما تظهر العيوب بعد التسليم.
ولا يكفي أن يبدو سطح الحفرية مستويًا يوم الاستلام؛ فقد يكون الردم غير مكتمل الدمك، فتظهر الهبوطات بعد مرور الشاحنات أو هطول الأمطار. لذلك يجب أن يشمل الاستلام قياس الكثافة والدمك، وفحص طبقات الأساس، وسماكة الأسفلت، ودرجة الحرارة أثناء الفرش، والاستواء الطولي والعرضي.
شركة واحدة أم نظام واحد؟
قد يبدو إسناد جميع الأعمال إلى شركة كبرى ذات خبرة، مثل أرامكو أو شركة تنافسها في الجودة، حلًا مباشرًا. لكن الأجدى ليس حصر مشروعات الطرق في شركة واحدة؛ لأن الاحتكار قد يرفع التكلفة ويؤخر التنفيذ، كما أن أرامكو ليست جهة تنفيذ لجميع الطرق البلدية.
الحل هو تطبيق نموذج جودة مماثل لمعايير أرامكو من خلال:
- تأهيل عدد محدود من المقاولين وفق سجلهم الحقيقي في الجودة.
- منع المقاول المتعثر من دخول مشروعات جديدة.
- تكليف مختبر وجهة إشراف مستقلة عن المقاول.
- ضمان الحفرية والطريق عدة سنوات بعد الاستلام.
- إلزام المقاول بإصلاح أي هبوط أو تشقق على نفقته.
- نشر اسم المقاول والاستشاري وتاريخ الضمان على لوحة المشروع.
وفي بريطانيا تخضع إعادة الطريق بعد حفريات الخدمات لمتطلبات أداء وفترات ضمان تصل إلى سنتين، وثلاث سنوات للحفريات العميقة، وتظل الجهة المنفذة مسؤولة عن معالجة فشل الموقع خلال الضمان.
البدائل الهندسية الأفضل تشمل:
- نفق خدمات مشترك: ممر خرساني يمكن دخوله للصيانة، توضع داخله الشبكات في مسارات منفصلة، من دون إعادة حفر الطريق.
- مجرى خدمات مسبق الصب: وحدات خرسانية طولية مزودة بأغطية وغرف وصول، وتناسب الشوارع التي لا تستدعي نفقًا كبيرًا.
- حزم الأنابيب أو القنوات الاحتياطية: تمديد قنوات فارغة عند إنشاء الطريق لاستخدامها مستقبلًا للكهرباء والاتصالات.
- الحفر الأفقي والأنفاق الدقيقة: تمرير الخدمة أسفل الطريق من دون إزالة الأسفلت إلا عند نقاط البداية والنهاية.
- مواد ردم ذاتية الدمك: مواد انسيابية تملأ الفراغات حول التمديدات وتقلل الهبوط الناتج عن ضعف الدمك. وقد أجرت إدارة الطرق في هونغ كونغ تجارب ناجحة عليها لتقليل أعمال الإصلاح الناتجة عن الردم غير الجيد.
وتستخدم مشاريع دولية ممرات مشتركة للخدمات لتقليل فتح الطرق مستقبلًا؛ فقد تبنت هونغ كونغ أنفاقًا مشتركة تحت الطرق الرئيسية، وأوضحت أن جمع الخدمات في منشأة واحدة يقلل الإزعاج الناتج عن أعمال الحفر والصيانة.
مبادرة طريق يُفتح مرة واحدة
يقترح التقرير إطلاق مبادرة بعنوان «طريق يُفتح مرة واحدة»، وتتضمن:
- إعداد خريطة رقمية موحدة لجميع الشبكات تحت الأرض.
- منع سفلتة أي طريق جديد قبل اعتماد خطط الخدمات المستقبلية.
- إنشاء ممرات خدمات مشتركة في الطرق الرئيسية والمناطق الصناعية.
- فرض فترة منع للحفر بعد السفلتة، باستثناء الطوارئ.
- إلزام الجهات الخدمية بتنسيق مشروعاتها ضمن تصريح موحد.
- إعادة سفلتة المسار كاملًا عند الضرورة، لا الاكتفاء برقعة ضيقة.
- ضمان طويل على الحفريات مع فحص دوري بعد الأمطار والمواسم المرورية.
- تقييم المقاولين وفق جودة الطريق بعد سنوات، لا سرعة الإنجاز يوم الافتتاح.
المشكلة ليست نقصًا في الإنفاق، بل في التنسيق والرقابة والاستدامة. فالطريق الذي يُسفلت اليوم ثم يُحفر غدًا، ويهبط بعد عام، لا يمثل مشروعًا مكتملًا؛ بل فاتورة تتكرر، ومالًا عامًا يحتاج إلى حماية أكثر صرامة.








