تقرير

إذا قُطعت شرايين الإنترنت تحت البحر.. ماذا ينتظر الخليج والعالم؟

إذا قُطعت شرايين الإنترنت تحت البحر.. ماذا ينتظر الخليج والعالم؟
Listen to this article

إذا قُطعت شرايين الإنترنت تحت البحر.. ماذا ينتظر الخليج والعالم؟

تهديدات إيرانية تضع الكابلات البحرية في دائرة الاستهداف… لكن قطعها لا يعني بالضرورة اختفاء الإنترنت

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

لم تعد الكابلات البحرية مجرد تجهيزات تقنية مدفونة في قاع البحر، بل أصبحت شرايين حيوية تحمل الاتصالات والخدمات السحابية والتحويلات المصرفية والمعاملات الحكومية وحركة الاقتصاد الرقمي بين الدول والقارات.

وتكتسب هذه البنية أهمية أكبر بعد صدور تهديدات إيرانية باستهداف كابلات الاتصالات البحرية في مضيق هرمز إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية لهجوم، بالتزامن مع تداول مقطع رقمي يحاكي قطع الكابلات وانهيار شبكات الاتصال والخدمات المصرفية في دول الخليج.

فما حقيقة التهديد؟ وهل تستطيع جهة واحدة قطع الإنترنت عن المنطقة؟ وماذا سيحدث إذا انقطع كابل واحد أو عدة كابلات في الوقت نفسه؟

التهديد حقيقي… والفيديو محاكاة

ثبت صدور تهديدات إيرانية فعلية بشأن كابلات الإنترنت البحرية؛ فقد صرح العميد يدالله جواني، المعاون السياسي لقائد الحرس الثوري الإيراني، بأن الكابلات المارة في مضيق هرمز قد تصبح هدفًا إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للهجوم.

ونُقلت تصريحاته عبر قناة «العالم» الإيرانية، كما نشرتها شبكة Press TV الإيرانية بتاريخ 21 أكتوبر 2026. 

كما نقلت وكالة رويترز بتاريخ 23 أكتوبر 2026 عن مسؤولين أمنيين إيرانيين أن طهران أعدت خططًا لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا تعرضت لهجمات جديدة، وأن تلك الخطط قد تشمل محاولة منع الإصلاحات أو تأخيرها لإطالة الاضطراب. 

أما الفيديو المتداول فهو محاكاة دعائية مصنوعة رقميًا، وليس تسجيلًا لهجوم وقع بالفعل. كما لم يثبت بصورة مستقلة أنه صدر بأمر رسمي مباشر من الحكومة الإيرانية أو القيادة العسكرية.

ولذلك فإن الصياغة الصحفية الأدق هي: «تداولت منصات وحسابات إعلامية مرتبطة بإيران مقطعًا يحاكي استهداف كابلات الإنترنت، بالتزامن مع تهديدات معلنة صدرت عن مسؤولين في الحرس الثوري».

ماذا تحمل الكابلات البحرية؟

يعتقد كثيرون أن الإنترنت العالمي يعتمد أساسًا على الأقمار الصناعية، بينما تنقل الكابلات البحرية أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية.

ووفق الاتحاد الدولي للاتصالات، يوجد أكثر من 500 نظام كابلات بحرية نشط أو مخطط له، تمثل البنية الأساسية للاتصالات العالمية والخدمات المالية والسحابية والحكومية. 

ويتكون قلب الكابل من ألياف بصرية دقيقة تنقل كميات هائلة من البيانات، وتحاط بطبقات حماية ضد الضغط والتآكل والحركة البحرية. وتزداد سماكة الحماية قرب السواحل، حيث ترتفع مخاطر الصيد ومراسي السفن.

هل ينقطع الإنترنت بالكامل؟

انقطاع كابل واحد لا يعني غالبًا اختفاء الإنترنت؛ لأن الشبكات الحديثة تعتمد على تعدد المسارات. وعند توقف كابل، تعيد شركات الاتصالات توجيه حركة البيانات تلقائيًا إلى كابلات سليمة أو مسارات برية بديلة.

لكن إعادة التوجيه قد تؤدي إلى:

  • انخفاض السرعة.
  • ارتفاع زمن الاستجابة.
  • ضغط على الكابلات البديلة.
  • تقطع المكالمات والاجتماعات المرئية.
  • اضطراب الألعاب والبث المباشر.
  • تأثر بعض الخدمات السحابية.
  • تفاوت جودة الخدمة بين مشغل وآخر.

وقد يستمر المحتوى المحلي في العمل لوجوده داخل مراكز بيانات وخوادم قريبة من المستخدم، بينما تتأثر التطبيقات والخدمات المستضافة خارج المنطقة بصورة أكبر.

ليست جميع الكابلات متساوية

لا يقاس الخطر بعدد الكابلات المقطوعة فقط، بل بسعة كل كابل وموقعه والمسارات البديلة المتاحة.

فقد يحمل كابل حديث حركة بيانات أكبر من عدة كابلات قديمة. وقد ينقطع كابل في منطقة تمتلك بدائل عديدة فلا يلاحظ المستخدم سوى بطء محدود، بينما يؤدي انقطاع مماثل في منطقة تعتمد على مسارات قليلة إلى اضطراب واسع.

وتزداد الخطورة عندما تمر عدة كابلات في ممر بحري ضيق؛ لأن مرساة سفينة أو انهيارًا في قاع البحر أو هجومًا متعمدًا قد يصيب أكثر من نظام في وقت واحد.

وحذرت وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني من أن تمركز الكابلات في مسارات محدودة، أو وصولها إلى محطات إنزال متقاربة، يصنع نقاط فشل مشتركة قد تتأثر بحادث واحد. 

هل تستطيع إيران قطع الإنترنت عن الخليج؟

تستطيع أي جهة تمتلك الإمكانات البحرية إلحاق ضرر مادي بكابل أو أكثر، خصوصًا في المياه الضحلة والممرات المعروفة. لكن تحويل الضرر إلى انقطاع شامل وطويل يتطلب إصابة عدة كابلات ومسارات بديلة ومحطات إنزال في وقت متقارب، مع تعطيل عمليات الإصلاح.

وتشير بيانات اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية إلى أن الكابلات المارة عبر مضيق هرمز تمثل أقل من 1% من إجمالي السعة الدولية عالميًا. ولذلك فإن استهدافها لن يؤدي إلى «قطع الإنترنت عن العالم»، لكنه قد يسبب أضرارًا إقليمية متفاوتة، خصوصًا للدول التي تعتمد بدرجة أكبر على المسارات البحرية المارة في المضيق. 

كما أن تنفيذ التهديد قد يضر بإيران نفسها؛ لأن بعض الكابلات البحرية في المنطقة تتصل بسواحلها وتخدم اتصالاتها.

إذن، التهديد جدي من زاوية الأمن الإقليمي، لكنه لا يعني امتلاك مفتاح واحد يستطيع إطفاء الإنترنت عن الخليج كاملًا.

ماذا لو انقطعت عدة كابلات؟

إذا تضررت عدة كابلات في وقت واحد، ينتقل الأمر من عطل فني معتاد إلى أزمة بنية تحتية.

في الساعات الأولى، ستعيد الشبكات توجيه البيانات إلى المسارات المتبقية، لكن السعات الاحتياطية قد تمتلئ سريعًا. وقد تضطر شركات الاتصالات إلى إعطاء الأولوية للخدمات الحكومية والأمنية والصحية والمالية، مع تراجع جودة الفيديو والبث والخدمات ذات الاستهلاك المرتفع.

وقد تظهر الآثار التالية:

  • بطء شديد في الوصول إلى المواقع والخدمات الخارجية.
  • اضطراب التطبيقات المعتمدة على مراكز بيانات بعيدة.
  • تأخر بعض التحويلات والمعاملات المالية الدولية.
  • تعثر أنظمة الحجز والسفر والشحن.
  • صعوبة الاجتماعات والعمل والتعليم عن بعد.
  • ضغط على مراكز الاتصال وخدمات العملاء.
  • ارتفاع تكلفة السعات الدولية البديلة.
  • تفاوت الخدمة بين الدول والمشغلين.

وقد يعمل الإنترنت محليًا بينما تتعذر بعض الخدمات الخارجية؛ فيشعر المستخدم بأن الإنترنت يعمل في تطبيق ويتوقف في تطبيق آخر، لأن المشكلة تقع في المسارات الدولية لا في شبكته المنزلية.

الأثر العالمي

لن تتوقف شبكة الإنترنت العالمية كلها بسبب انقطاع كابلات هرمز، لكنها قد تشهد إعادة توجيه للحركة وارتفاعًا في زمن الاستجابة على بعض المسارات.

أما إذا وقع الضرر في ممر يحمل نسبة كبيرة من البيانات بين قارتين، فقد يمتد أثره إلى الخدمات السحابية والأسواق المالية وسلاسل الإمداد والبث المباشر وشبكات الشركات الدولية.

وتعتمد خطورة الحدث على ثلاثة عوامل:

  1. سعة الكابلات المتضررة.
  2. مقدار السعة الاحتياطية المتاحة.
  3. المدة اللازمة لإتمام الإصلاح.

هل تعوض الأقمار الصناعية الكابلات؟

الاتصال الفضائي مهم للطوارئ والمناطق النائية والسفن والمنشآت الحيوية، لكنه لا يستطيع حاليًا تعويض السعة الهائلة التي تحملها الكابلات البحرية.

وقد توفر الأقمار الصناعية اتصالًا احتياطيًا لجهات محددة، لكنها تواجه حدودًا في السعة والتكلفة والأجهزة المطلوبة. ولذلك تعد مسارًا مساندًا، وليست بديلًا كاملًا لشبكة الألياف البحرية.

كيف تُصلح الكابلات؟

يمكن تحديد موقع القطع بإرسال نبضة ضوئية داخل الألياف وقياس موضع انعكاسها. ثم تتوجه سفينة متخصصة إلى الموقع، وتسحب الكابل من القاع، وتستخرج الجزء المتضرر، وتصل مقطعًا جديدًا قبل اختباره وإعادته إلى البحر.

وقد تتأخر العملية بسبب:

  • بُعد سفينة الإصلاح.
  • ارتفاع الأمواج وسوء الطقس.
  • عمق الكابل وطبيعة قاع البحر.
  • الحاجة إلى تصاريح أمنية وبحرية.
  • ازدحام سفن الصيانة بأعطال أخرى.
  • وقوع الضرر داخل منطقة نزاع.
  • محاولة منع السفن من الوصول إلى موقع العطل.

ويشير تقرير الاتصال العالمي للاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن إصلاح الكابل قد يستغرق من أسبوعين إلى عدة أشهر، بحسب الموقع والظروف والإجراءات التنظيمية. 

معظم الأعطال ليست تخريبًا

رغم خطورة التهديدات العسكرية، فإن معظم أعطال الكابلات البحرية تحدث لأسباب عرضية. ووفق اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية، يسجل العالم نحو 150 إلى 200 عطل سنويًا، ويتسبب الصيد ومراسي السفن في قرابة 70 إلى 80% منها. 

وتشمل الأسباب الأخرى الزلازل والانهيارات تحت الماء وتقادم الكابلات وأعطال أجهزة تقوية الإشارة وأعمال الإنشاءات الساحلية، بينما تبقى حالات التخريب المتعمد أقل من الأعطال العرضية.

كيف تحمي دول الخليج اتصالها؟

لا تتحقق الحماية بوضع كابل جديد بجوار الكابلات القائمة؛ لأن المسارات المتقاربة قد تتضرر معًا. والحماية الحقيقية تتطلب:

  • تنويع المسارات البحرية جغرافيًا.
  • إنشاء شبكات ألياف برية عابرة للحدود.
  • توزيع محطات الإنزال على مواقع متعددة.
  • زيادة مراكز البيانات المحلية.
  • تطوير نقاط تبادل الإنترنت داخل المنطقة.
  • الاحتفاظ بسعات احتياطية غير مستهلكة بالكامل.
  • تجهيز الجهات الحيوية باتصالات فضائية احتياطية.
  • مراقبة مسارات الكابلات ومناطق الرسو والصيد.
  • حماية محطات الإنزال وأنظمة الطاقة والإدارة.
  • تسريع تصاريح سفن الإصلاح وقت الطوارئ.
  • تنفيذ تدريبات دورية تحاكي انقطاع عدة كابلات.
  • إعداد خطط لاستمرار الخدمات المالية والصحية والحكومية دون اتصال خارجي كامل.

وقد أوصى الاتحاد الدولي للاتصالات في يوليو 2026 بزيادة التنوع الجغرافي للمسارات، وتحسين مراقبة المخاطر، وتسريع الإصلاح، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية وشركات الاتصالات. 

الخلاصة

التهديد الإيراني باستهداف كابلات الإنترنت حقيقي ومثبت بتصريحات صدرت عن مسؤولين في الحرس الثوري، 

وإذا انقطع كابل واحد، فمن المرجح أن تمتص الشبكات أثره عبر تحويل البيانات إلى مسارات بديلة، مع حدوث بطء أو اضطراب مؤقت. أما الخطر الأكبر فيبدأ عند إصابة عدة كابلات كبيرة في الوقت نفسه، أو استهداف محطات الإنزال، أو تعطيل عمليات الإصلاح.

لن يؤدي قطع كابلات هرمز إلى إطفاء الإنترنت عن العالم، لكنه قد يصنع أزمة إقليمية مؤثرة في الاتصالات والخدمات السحابية والمال والأعمال. ولذلك لم تعد حماية الكابلات مسألة فنية تخص شركات الاتصالات وحدها، بل أصبحت جزءًا من الأمن الوطني والاقتصادي للدول.

المصادر

  • الاتحاد الدولي للاتصالات: Submarine Cable Resilience، 2026. 
  • الاتحاد الدولي للاتصالات: تقرير تعزيز مرونة الكابلات البحرية، يوليو 2026. 
  • اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية: بيانات الأعطال والإصلاحات العالمية. 
  • شبكة Press TV الإيرانية: تصريحات يدالله جواني بشأن كابلات هرمز. 
  • وكالة رويترز: خطط استهداف كابلات الخليج، 23 أكتوبر 2026. 
  • وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني: Subsea Cables – What Is at Stake? 

المزيد من مقالات محمد سعد القحطاني

اقرأ المزيد للكاتب ←

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *