الدجاج والبيض تحت المجهر
غذاء يومي على موائدنا.. فمن يراقب العلف والماء والدواء داخل مزارع الدواجن؟
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
يستهلك المجتمع الدجاج والبيض بصورة شبه يومية، وتدخل هذه المنتجات في غذاء الأطفال والمرضى وكبار السن وجميع أفراد الأسرة. ولذلك لا يكفي أن تبدو الدجاجة سليمة عند عرضها، أو أن تحمل عبوة البيض تاريخًا للصلاحية؛ بل يجب أن تكون السلامة حاضرة في جميع مراحل الإنتاج، ابتداءً من الصيصان والعلف والماء والدواء داخل المزرعة، وانتهاءً بالذبح والتعبئة والنقل ووصول المنتج إلى المستهلك.
ومع ارتفاع حجم الإنتاج والاستهلاك، تتكرر أسئلة مشروعة لدى المستهلكين: ماذا تأكل الدواجن؟ ومن يفحص المياه المقدمة لها؟ وهل تُستخدم مضادات حيوية أو محفزات نمو غير مسموح بها؟ وكيف تُراقب الأدوية وفترات سحبها؟ وهل يُفحص الدجاج والبيض دوريًا للكشف عن المتبقيات والملوثات؟ وما الاشتراطات الصحية والمهنية المطبقة على العاملين داخل المزارع ومواقع الإنتاج؟
هذه الأسئلة لا ينبغي مواجهتها بالتطمين العام وحده؛ بل بإجابات موثقة، ونتائج فحوص معلنة، ونظام تتبع يستطيع المستهلك من خلاله معرفة مصدر المنتج ومراحل إنتاجه.
المزرعة هي نقطة البداية
سلامة الدجاج والبيض لا تبدأ في المتجر، وإنما داخل المزرعة؛ فجودة المنتج تتأثر بعناصر مترابطة، من أهمها:
- مصدر الصيصان وسلامة السلالة.
- نوع العلف ومكوناته وطريقة تصنيعه وتخزينه.
- سلامة المياه وخلوها من الملوثات.
- نظافة الحظائر وجودة التهوية ودرجات الحرارة.
- كثافة الطيور داخل مساحة التربية.
- اللقاحات والأدوية البيطرية المستخدمة.
- الالتزام بفترات سحب الدواء قبل الذبح أو تسويق البيض.
- مكافحة الأمراض والتخلص الآمن من الطيور النافقة.
- سلامة العاملين والتزامهم باشتراطات النظافة والأمن الحيوي.
- شروط جمع البيض وتخزينه ونقله.
وأي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يؤثر في صحة الطيور وجودة الإنتاج، ويرفع احتمالات التلوث أو ظهور متبقيات دوائية أو ميكروبية غير مسموح بها.

أسئلة مشروعة حول سرعة النمو
يلاحظ المستهلك اختلاف أحجام الدجاج وسرعة وصوله إلى أوزان مرتفعة، ما يثير التساؤل حول استخدام الهرمونات أو محفزات النمو. ولا يمكن اعتبار الحجم وحده دليلًا على وجود مخالفة؛ فقد تكون سرعة النمو مرتبطة بالسلالة والانتخاب الوراثي ونوعية العلف وطرق التربية ومدة التسمين.
لكن ذلك لا يلغي حق المستهلك في الاطمئنان من خلال فحوص دورية للكشف عن المواد المحظورة ومتَبقيات المضادات والأدوية البيطرية، مع نشر نتائج إجمالية واضحة للرأي العام، بدل ترك المجتمع بين الشائعات والنفي غير المدعوم بالبيانات.
ويحظر «دليل الصحة الحيوانية» المنشور في جريدة أم القرى استخدام مضادات الميكروبات بوصفها محفزات للنمو، كما يمنع تسويق المنتجات الحيوانية قبل انقضاء فترة التحريم الخاصة بالمستحضرات البيطرية. ويلزم الدليل المنشآت بتوثيق الأدوية واللقاحات المستخدمة، ويؤكد أن العلاج يجب أن يتم باستشارة بيطرية وبمستحضرات مسجلة لدى الهيئة العامة للغذاء والدواء.
ويمكن الاطلاع على الدليل الرسمي الصادر بتاريخ 20 شعبان 1445هـ، الموافق 1 مارس 2024م، عبر الرابط:
دليل الصحة الحيوانية – جريدة أم القرى
من يراقب علف الدواجن؟
يخضع العلف في المملكة لنظام يهدف إلى ضمان مأمونيته، وحماية صحة الحيوان، ومنع انتقال المواد الضارة إلى الإنسان عن طريق المنتجات الحيوانية. ويشمل النظام الأعلاف المحلية والمستوردة ومكوناتها ومراحل تصنيعها وتخزينها وتداولها.
ويمنع النظام تداول الأعلاف المحتوية على مواد محظورة، أو الضارة بالصحة، أو المغشوشة، أو غير المسجلة. كما يمنح الهيئة العامة للغذاء والدواء صلاحيات التفتيش وأخذ العينات والحجز والسحب والاستدعاء والإتلاف والإغلاق المؤقت عند وجود خطر على صحة الإنسان أو الحيوان.
ويمكن الاطلاع على النظام عبر الرابط:
نظام الأعلاف – الهيئة العامة للغذاء والدواء
لكن وجود النظام لا ينهي الأسئلة الميدانية:
- كم مرة تؤخذ عينات من أعلاف كل مزرعة؟
- هل الزيارات الرقابية معلنة أم مفاجئة؟
- هل تُفحص السموم الفطرية والمعادن الثقيلة وبقايا المبيدات؟
- هل يمكن تغيير تركيبة العلف داخل المزرعة بعيدًا عن الرقابة؟
- كيف يُتحقق من عدم استخدام إضافات غير مسجلة أو معتمدة؟
- هل ترتبط كل شحنة دجاج أو بيض بسجل العلف والدواء الخاص بها؟
- وهل تُنشر نتائج إجمالية تبين عدد العينات ونسب المطابقة والمخالفات؟
وجود الأنظمة مهم، لكن اكتمال الحماية يتطلب تطبيقًا ميدانيًا مستمرًا، ونظام تتبع لا ينتهي دوره بمجرد إصدار الترخيص.
الماء ليس تفصيلًا ثانويًا
تشرب الدواجن كميات كبيرة من الماء، وأي تلوث بكتيري أو كيميائي قد يؤثر في صحتها ونموها وإنتاجها. لذلك ينبغي عدم السماح باستخدام أي مصدر للمياه قبل فحصه، مع تكرار التحليل دوريًا وعدم الاكتفاء بنتيجة قديمة.
ويجب أن تشمل الرقابة مصدر المياه، وخزانات المزرعة، وشبكات التوزيع داخل الحظائر، ومستوى التعقيم، واحتمالات التلوث الناتج عن التخزين أو تسرب المخلفات. كما يُقترح ربط استمرار تشغيل المزرعة بنتائج حديثة لتحليل المياه، تحفظ في سجلها الرقابي الإلكتروني.
العاملون جزء من منظومة السلامة
العامل داخل مزرعة الدواجن يتعامل مباشرة مع الطيور والعلف والمياه والأدوية والمخلفات؛ ولذلك فإن سلامته الصحية وتدريبه والتزامه بإجراءات النظافة ليست مسائل إدارية ثانوية.
ويجب أن تتضمن الرقابة التحقق من تدريب العاملين على الأمن الحيوي، واستخدام الملابس والأدوات الوقائية، وتنظيم الدخول إلى الحظائر، وتعقيم المعدات والمركبات، والإبلاغ عن الأمراض والنفوق غير المعتاد، ومنع انتقال العدوى بين الحظائر والمزارع.
فالمنتج الآمن يحتاج إلى بيئة آمنة، وإدارة مدربة، وعاملين ملتزمين، وسجلات دقيقة توثق كل ما يدخل المزرعة ويخرج منها.
البيض.. سلامته تبدأ قبل القشرة
قد تبدو البيضة سليمة من الخارج، لكن سلامتها ترتبط بصحة الدجاجة وعلفها ومائها والأدوية التي تلقتها، إضافة إلى نظافة الأعشاش وطريقة الجمع ودرجات حرارة الحفظ والنقل.
لذلك ينبغي أن تشمل الرقابة على مزارع الدجاج البيّاض:
- فحص الأعلاف والمياه بصورة دورية.
- مراقبة الأدوية وفترات السحب والتحريم.
- إجراء الفحوص للكشف عن البكتيريا الممرضة، وفي مقدمتها السالمونيلا.
- التحقق من نظافة القشرة وسلامتها.
- ضبط درجات حرارة التخزين والنقل.
- منع إعادة تعبئة البيض مجهول المصدر في عبوات تحمل بيانات منشأة أخرى.
- تخصيص رقم تشغيلة يتيح تتبع البيض إلى المزرعة والحظيرة وتاريخ الإنتاج.
- سحب التشغيلة كاملة عند ثبوت وجود خطر صحي.
ويشير مركز «وقاء» إلى أهمية تطبيق إجراءات الأمن الحيوي في مشروعات الدواجن، وإجراء الاختبارات الميكروبية للقطعان ومدخلات الإنتاج دوريًا، والتطهير الجيد لمعامل التفريخ ومكافحة القوارض والحشرات والطيور الناقلة للأمراض.

ويمكن الاطلاع على المعلومات الرسمية عبر الرابط:
السالمونيلا في الدواجن – مركز وقاء
ولا يكفي تسجيل تاريخ الإنتاج والانتهاء إذا تعذر معرفة الظروف التي أُنتج وحُفظ ونُقل فيها البيض.
جهود قائمة تحتاج إلى مزيد من الشفافية
أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة ارتفاع نسبة تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة السعودية «سعودي قاب» في قطاع الدواجن إلى نحو 90%، مؤكدة أن ذلك أسهم في رفع جودة منتجات الدواجن وتعزيز سلامتها.
كما أعلنت الوزارة أن 82% من إنتاج المملكة لبيض المائدة مغطى بعلامة الجودة «سعودي قاب»، وهي نسبة تعكس تقدمًا واضحًا في تطبيق المعايير على قطاع البيض.
ويمكن الاطلاع على التفاصيل عبر الرابطين:
ارتفاع تطبيق «سعودي قاب» في قطاع الدواجن إلى 90%
اعتماد 82% من إنتاج بيض المائدة بشهادة «سعودي قاب»
وهذه المؤشرات إيجابية وتعكس تطور القطاع، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة مهمة: ماذا عن الإنتاج غير المشمول بالشهادة؟ وهل يستمر التحقق من التزام المزرعة بعد منحها الاعتماد؟ وهل يستطيع المستهلك معرفة المزارع المعتمدة ونتائج الرقابة عليها؟ وما الإجراءات المتخذة عند انخفاض مستوى الالتزام؟
الهدف من هذه الأسئلة ليس التقليل من الجهود القائمة، وإنما تعزيزها بالشفافية والتتبع وإتاحة المعلومات للمجتمع.
المسؤولية موزعة.. والمستهلك يحتاج نافذة واحدة
تتداخل في هذا القطاع مهام وزارة البيئة والمياه والزراعة، ومركز «وقاء»، والهيئة العامة للغذاء والدواء، والجهات البلدية والتجارية. وتتولى هذه الجهات جوانب الصحة الحيوانية والأعلاف والأدوية البيطرية وسلامة المنتجات والمنشآت والتداول.
لكن تعدد الجهات قد يجعل المستهلك لا يعرف الجهة التي يسألها أو يرفع إليها البلاغ، وقد يؤدي إلى تجزئة الرقابة بين صحة الطائر وسلامة العلف وجودة المنتج النهائي.
ولذلك يحتاج القطاع إلى نافذة رقابية موحدة تربط جميع الحلقات إلكترونيًا وميدانيًا، وتتيح تبادل نتائج الفحوص والزيارات والمخالفات بين الجهات المختصة.
مبادرة «الشركة الوطنية لسلامة الدواجن والبيض»
يقترح التقرير دراسة إنشاء شركة حكومية وطنية لسلامة الدواجن والبيض، أو كيان تنفيذي حكومي متخصص، يعمل تحت إشراف الجهات المختصة، ولا ينافس أصحاب المزارع في ملكية مشروعاتهم أو إنتاجهم؛ بل يوحد المعايير والإمداد والرقابة والتتبع.
وتقوم المبادرة على توزيع واضح للمسؤوليات:
- الكيان الحكومي المقترح: يوحد المواصفات والاشتراطات، ويدير بيانات الفحوص والتتبع.
- صاحب المزرعة: يتولى التربية والإنتاج وفق المعايير المعتمدة.
- المختبرات المعتمدة: تفحص العلف والماء والدجاج والبيض باستقلالية.
- الجهات التنظيمية: تراقب الكيان والمزارع والمختبرات وتطبق الجزاءات عند المخالفة.
ولا تعني المبادرة إلغاء اختصاصات الجهات القائمة أو تكرار أعمالها، وإنما جمع نتائجها ضمن منظومة تنفيذية ورقابية واحدة تمنع تشتت المعلومات والمسؤوليات.

مهمات الكيان الوطني المقترح
يتولى الكيان المقترح:
- اعتماد مواصفات التركيبات العلفية المناسبة لكل مرحلة عمرية، ومنع استخدام أي تركيبة غير مسجلة.
- الإشراف على تصنيع الأعلاف وتوزيعها، والتحقق من مصادر مكوناتها.
- فحص دفعات الأعلاف وإصدار شهادات رقمية بنتائج التحليل.
- اعتماد مصادر مياه المزارع وإجراء فحوص دورية ومفاجئة.
- إنشاء سجل إلكتروني لكل مزرعة يتضمن أعداد الطيور والأعلاف والأدوية واللقاحات والنفوق وتواريخ التسويق.
- ربط صرف الأدوية البيطرية بوصفة إلكترونية مسجلة باسم المزرعة والطبيب والقطيع.
- إجراء فحوص عشوائية للكشف عن المتبقيات والملوثات والبكتيريا.
- وضع رمز استجابة سريع على العبوات يوضح المزرعة ورقم التشغيلة وتاريخ الإنتاج وبيانات التتبع الأساسية.
- نشر تقرير رقابي ربع سنوي يبين عدد الزيارات والعينات ونسب المطابقة والمخالفات والإجراءات المتخذة.
- إيقاف المزرعة أو التشغيلة عند اكتشاف خطر صحي، وإعلان بيانات المنتج المتأثر بوضوح.
- تخصيص قناة موحدة لاستقبال بلاغات المستهلكين وتتبع الإجراءات المتخذة بشأنها.
- تصنيف المزارع وفق مستوى التزامها بالسلامة والجودة، وربط الحوافز الحكومية بنتائج التصنيف.
رسالة إلى صاحب المزرعة
صاحب المزرعة شريك أساسي في الأمن الغذائي، وحماية المستهلك ليست عبئًا عليه؛ بل حماية لاستثماره وسمعة إنتاجه. وتوحيد المعايير يحمي المزارع الملتزم من المنافسة غير العادلة، ويمنع المنشآت التي تقلل التكاليف على حساب جودة العلف أو الماء أو العلاج من الإضرار بالسوق كله.
وفي المقابل، ينبغي دعم المزارع الملتزمة بالتدريب والتمويل والتقنيات الحديثة، ومنحها تصنيفًا معلنًا للجودة، وتسهيل أعمالها كلما أثبتت نتائج الفحوص سلامة إنتاجها.
رسالة إلى المستهلك
للمستهلك حق في منتج آمن، وبيانات واضحة، ووسيلة سهلة للتحقق والبلاغ. لكن حجم الدجاجة أو شكل البيضة لا يكفيان وحدهما للحكم على سلامة المنتج؛ ولذلك يجب تمكين المستهلك من معلومات موثقة تزيل الشك وتمنع انتشار الشائعات.
ومن المهم شراء المنتجات من منافذ موثوقة، والتحقق من سلامة العبوة وتاريخ الصلاحية وظروف الحفظ، والإبلاغ عن أي اختلاف في الرائحة أو الشكل أو البيانات أو مصدر المنتج.
المطلوب من الجهات المسؤولة
المطلوب هو الانتقال من حلقات رقابية متفرقة إلى سلسلة موحدة تبدأ من العلف والماء، وتراقب الأدوية وصحة الطيور والعاملين، وتفحص الدجاج والبيض، ثم تتابع الذبح والتعبئة والنقل والعرض حتى وصول المنتج إلى المستهلك.
الدجاج والبيض ليسا سلعتين عاديتين؛ فهما من أكثر الأغذية حضورًا على المائدة السعودية. وكلما زاد استهلاك المنتج، ازدادت ضرورة الرقابة عليه.
والطمأنينة الحقيقية لا تصنعها العبارات العامة؛ بل تصنعها نتائج المختبرات، وشفافية البيانات، والزيارات المفاجئة، وإمكانية تتبع كل منتج من المزرعة إلى المائدة.








