كلمة غريبة على السمع، ثقيلة على اللسان، لكنها شديدة الدقة في وصف كثير من مشاهد حياتنا؛ فـ«الكأكأة» في أصل معناها تدل على التجمع والازدحام والتكالب، حتى يصبح المرء محاصرًا بكثرة من حوله، لا بقوة حجتهم.
نحن نعيش زمن الكأكأة؛ حين يتجمع الناس حول رأي واحد لأن صاحبه مشهور، لا لأن رأيه صحيح. وحين تتكاثر التعليقات الساخرة على إنسان لم يسمع أحد دفاعه، ويصبح عدد المهاجمين دليلًا زائفًا على الإدانة.
تبدأ الحكاية غالبًا بكلمة مبتورة، أو صورة لم تُعرف ظروفها، أو مقطع اقتُطع من سياقه. يطلق أحدهم حكمه، ثم يأتي الآخرون مكررين الجملة ذاتها، ويضيف كل واحد قسوة جديدة؛ حتى تتكون محكمة مكتملة بلا قاضٍ، وحكم بلا تحقيق، وعقوبة بلا حق في الدفاع.
هذه هي الكأكأة الحديثة: ازدحام الأصوات حول الضحية، وتراجع العقل أمام حماس الجماعة.
وقد يتكرر المشهد داخل الأسرة والعمل والمجالس؛ يخطئ شخص فتُفتح دفاتر أخطائه القديمة، ويتجمع عليه من لم ينصحه يومًا. وربما كان بعضهم لا يعرف الحقيقة، لكنه وجد فرصة ليظهر ولاءه للجماعة أو يصفّي حسابًا قديمًا.
المؤلم أن كثيرين لا يملكون شجاعة الظلم منفردين، لكنهم يصبحون أكثر جرأة عندما يجدون من يشاركهم فيه. فالجماعة تمنح الضعيف شعورًا مؤقتًا بالقوة، وتخفي مسؤوليته الفردية خلف عبارة: «الناس كلهم يقولون ذلك».
غير أن كثرة القائلين لا تحول الباطل إلى حق، كما أن وقوف الإنسان منفردًا لا يعني أنه مخطئ. كم من حقيقة بدأت بصوت واحد، وكم من تهمة صدقها الآلاف ثم كشفت الأيام أنها كانت كذبة مكتملة الأركان.
والكأكأة ليست في الهجوم وحده؛ فقد تكون في التملق، حين يتجمع الناس حول صاحب منصب، ويتسابقون إلى مدحه، ثم يتفرقون عنه بمجرد رحيله. وقد تكون في المصالح، عندما يزدحمون عند أبواب القادر، ويتركون المحتاج وحيدًا لأنه لا يملك ما يمنحهم.
إن النضج لا يظهر حين نكون مع الجماعة، بل حين نمتلك القدرة على التوقف وسط اندفاعها ونسأل: هل عرفنا الحقيقة؟ هل سمعنا الطرف الآخر؟ وهل نقبل أن يقع علينا ما نفعله الآن بغيرنا؟
لسنا مطالبين بالدفاع عن الخطأ، ولكننا مطالبون ألا نصنع ظلمًا جديدًا بحجة مقاومته. ولسنا ملزمين بموافقة الجميع، وإنما مسؤولون عن كلماتنا ومواقفنا أمام الله ثم أمام ضمائرنا.
حين يتكأكأ الناس على إنسان، كن أنت المساحة التي يتنفس منها. لا تضف حجرًا إلى الرجم قبل أن تعرف القصة، ولا تجعل صوت الحشود بديلًا عن عقلك.
فالحشود تتفرق بعد انتهاء المشهد، ويبقى المظلوم حاملًا أثر كلماتهم، ويبقى كل إنسان مسؤولًا عن الكلمة التي قالها، ولو ضاعت بين آلاف الأصوات