news.ahwal@gmail.com
مقالات

الشيخ عبدالله بن عبد العزيز الرشيد

 

يمر في حياتنا أشخاص كثيرين ، منهم من نتناسه ومنهم أشخاص مؤثرون تبقى ذكراهم عالقة في الاذهان ،  اما لخلق أو علم تركوه أو منفعة للناس ، نحن هنا أمام رجل من رجال  القضاء وعلم من أعلامه وشخصية جديرة بالمعرفة شغل العديد من المناصب القضائية حتى وصل إلى ذروة المجد منها: رئاسة محاكم الاحساء ومفتش قضائي على محاكم المناطق الغربية والشمالية وعضواً بمحكمة التمييز بالرياض ثم عضواً في مجلس القضاء الاعلى، أحد العلماء الكبار قامه سأمقه في علمه وخلقه  وتواضعه كانت بدايات عمله الحكومي تولية قضاء محكمة المندق ،  أن فضيلة الشيخ عبدالله بن عبد العزيز الرشيد قاضي المندق الأسبق – رحمه الله-

في حياته محطات كثيرة تدل على عصاميته وهمته العالية سوف تناول أبرزها ، حيث ولد الشيخ  سنة 1342هـ في بلدة الرس التابعة للقصيم  وتلقى تعليمه الأولي بالكتاتيب منذ صغره تعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القران الكريم  وعندما بلغ الثانية عشر من عمره بدأ دراسته المتخصصة على بعض مشايخ وقضاة الرس منهم الشيخ محمد عبد العزيز الرشيد قاضي الرس آنذاك  وقد  تعلم على يده أصول الفقه والتوحيد وشروح الحديث والسنن وآدابها  ثم وفقه الله في حفظ بعض المتون الاساسية والتي لا غنى  عنها لأي دارس  فقام بحفظ المتون كشروح الأجرومية والملحة في النحو وحفظ و درس  كتاب زاد المستقنع وبلوغ المرام والصحيحين والسنن الأربع لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه  وكان فرحا بتتلمذه علي يد الشيخ ولكن لم تدم هذه الفرحة طويلا حيث صدر أمر الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – بنقل القاضي (محمد بن عبدالعزيز الرشيد) إلى الخرمة عام 1365هـ  وشعر الأهالي بفقده  لما كان يتمتع به من الصلاح والسيرة الحسنة والعلم الغزير. ولكن رحلة وحب طلب العلم لم تتوقف فقد استقبلت الرس قاضيها الجديد هو الشيخ صالح إبراهيم الطاسان فأكمل عبدالله الرشيد دراسته مواصلاً طلب العلم على يديه وفي تلك الفترة كانت المدارس النظامية قد بدأ ظهورها فاتجه إليها الطلاب، لكن شيخنا عبدالله رحمه الله من القلة الذين لم يسلكوا ذلك وبقي بالقرب من الشيخ صالح الطاسان ينهل و  من علمه  ولوحظ عليه ميله وحبه لمادة الفقه  وكأن الله يهيئه ليكون قاضيا بارعاً وفعلا تحققت له قوة التمكين في عمله فكان يجيد التعامل مع الخصوم  ويلخص الاحكام  لأنه كما ذكرنا  تأسس  علي قاضيين فاضلين  اشربوه علم القضاء والفقه ودقائقهما وقد ذاع صيته أن سُمع عنه فأرسل إليه من قبل أمير الرس وذلك بأرساله بشكل عاجل إلى إمارة مكة المكرمة هو وزميله بالدراسة الشيخ منصور صالح الضلعان-يرحمهما الله- ومقابلة سماحة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة وهيئات الأمر بالمعروف بالحجاز ولما سافرا والتقيا برئيس القضاء وبدوره أخبرهما ببرقية ولي العهد الامير سعود المتضمنة تعيينهما قاضيين في جنوب المملكة حاول الاعتذار ولم يجد قبول وذلك  للحاجة ولسمعتهما الطيبة وتميزهما بالعلم الشرعي مما جعل ولي العهد يعتمد التكليف وسرعة التوجه وكان القرار الذي الذي يحمل الرقم 2816 في 14 / 4  1372هـ ينص على تعيين الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز الرشيد قاضيًا في محكمة المندق وتحديد راتبه بـ(420) ريالاً وتأمين نقله برًا عن طريق الشركة العربية للسيارات لمقر عمله .

وتوجه الشيخ بعد أن حزم أمتعته لاستلام عمله وهو بكامل سعيه وعزمه وقد كانت رحلة مضنية عبر طرق وعرة تعطلت فيها  سيارة الشركة العربية التي استقلها لنقله واستمر في الطريق يومين حتى وصل إلى اطراف بلاد زهران وادي بيده اخر محطة توصلها السيارات فاضطر هو ومن كان يرافقه إلى تأجير خمسة من الجمال لتنقل أمتعتهم إلى المندق ودواب تحملهم  وتتابعت المعاناة فعندما وصل المندق لم يكن في انتظاره سكن أو حتى مبنى للمحكمة فأضطر  إلى النزول على الإمارة وكانت طارفة أنذاك يشغلها لأمير (إبراهيم بن ناصر بن داود من أهالي حوطة بني تميم) وأعاره غرفة داخل الامارة لاحد الأخويا ليسكن فيها ، وبلغ  وصوله أسماع أهالي المندق فاستبشروا  به وفرحوا  بقدومه وإيما فرح لان المنطقة كانت بحاجة ماسة إلى ذلك ولم يكن هناك محاكم اما لبعدها في الظفير أو انعدامها وكانت أغلب الاحكام في القضايا عبارة عن أنظمة وقوانين متوارثه من عراف وفراض قبل الحكم السعودي وعلى الفور من قدومه تم التنسيق بينه وبين الامير بتحويل القضايا العاجلة التي لا تقبل  التأخير بسرعة البت والفصل فيها  وكان يباشر عمله ذلك من خيمة اعدت له وقد باشر العمل  سريعا وفض العديد من النزاعات ، وذلك حتى تم استئجار بيت على بن احمد مقر للمحكمة وسكنا للشيخ  وكانت في أعلى السوق من الجهة الشرقية مقابلة لجامع المندق القديم ، وقد عانى الشيخ من الظروف المعيشية لم يكن الزاد متوفر لانعدام وجود المحلات التجارية فكان يعتمد على التمر وما يتوفر من المحاصيل الزراعية حتى تحسنت الأوضاع المعيشية نوع ما خلال الثلاث سنوات .

وزاد من توفيق الله له أن حب عمله وكانت مظاهر ذلك الحب انه لم يقتصر عمله على الدوام الرسمي كان يوفر له وقتا إضافيا و كان مجلسه واي مكان يقصده مجلسا للقضاء فكان  كما اخبرنا الرواة وكبار السن ينسخ بيده القضايا والصكوك على ادوات الانارة البسيطة  كـ الاتريك و الفانوس من اجل أنجاز العمل وانهاء أمور المراجعين الذين كانت تكتظ بهم المندق وخاصة الذين يأتون من قرى بعيدة  يصعب عليهم البقاء لليوم الثاني لان استضافتهم كانت ترهق أهالي المندق، وكان يزاول القضاء حتى في مجلسه الخاص  أتخذ له فسحه يجلس عليها ، وهذا كله درسا يدرس للأجيال القادمة في حب العمل  وإتقانه وانجازه ، خالط الناس و تداخل و أرتبط فيهم وعرف مشاكلهم وعاملهم بالحسنى فأحبوه وكانت له عليهم كلمة مسموعة وخاصة أن توجهه كان أغلبه في الصلح بين المتخاصمين إصلاح ذات البين وكان يستعين في ذلك بأهل الحل والعقد من الأعيان والصلحاء من أهل المنطقة ومن اولئك علي بن عبشان عريفة المندق كان مثالا في الكرم والسخاء وايضاً صالح بن قماش من أعيان أهالي النصباء رجلا صالحا عرف عنه حب الخير والاستقامة، ولا  يفوتني هنا أن اذكر الشيخ سعيد بن عبد الله الرداعي من قرية العنق عمل معه في نفس المحكمة  حيث بدأ تعليمة العلوم الشرعية في المسجد الحرام وارتحل إلى اليمن ثم عاد إلى مسقط راسه وعمل في الفتوى والإمامة ثم تم تعيينه في المحكمة مع القاضي الرشيد مقدر للشجاج  رحمهم الله جميعا .

لم يكن  عبد الله الرشيد  القاضي فقط بل كان القاضي والمسؤول ولسان المواطن ، و من أهم مبادراته رحمه الله عندما انتهز فرصة زيارة  الملك سعود رحمه الله عام 1374هـ  للمندق  طلب  منه بعض الاحتياجات ومنها بناء مدرسة لأهالي المندق وتم له ذلك بالموافقة وافتحت المدرسة بعد عام من تلك الزيارة المباركة ، مكث الشيخ  قاضياً في المندق حتى عام 1383هـ حيث صدر أمر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رئيس القضاة -رحمه الله- بنقل الشيخ عبدالله مساعد لرئيس محاكم الأحساء، ولما علم الأهالي حزنوا و تأثروا من ذلك وقاموا بأرسال برقيات من أجل العدول عن القرار وسافر البعض منهم  إلى الرياض من أجل ذلك لكن المصلحة العامة تقتضي نقله ، وقد اعتذر لهم  ابن إبراهيم عن ذلك ، بقي الشيخ احد عشر عام في المنطقة حتى سار مثل يحتذى به ورمزاً من رموز القضاء!!! في أحاديثهم  يقولون : حَكم لي  الرشيد وأيام حُكم القاضي الرشيد  رحل ومازالت ذكراه في أذهان الناس وبطون الوثائق القديمة وهذا يدل على  اخلاصه وصدق نيته وتوجهه في التعامل مع الناس ، ومما قاله في لقاء معه عن أهالي المندق :   “أهالي المنطقة اناس طيبون جداً وكانوا على الفطرة السليمة لا يوجد بينهم أجنبي في ذلك الوقت وفيهم كرم كثير رغم أن أحوالهم المادية كانت ضعيفة وفيهم شجاعة ونخوة وتعاون فيما بينهم … بلادهم واسعة جدا والسكان كثيرون والخصومات كثيرة أغلبها على حدود الاملاك والاختصاصات ومجاري المياه للمزارع والاحوال الشخصية وغيرها وأحايينا يحصل بينهم مضاربات ولكن مشايخ قبائلهم وعرفاءهم واعيانهم وأهل الخير منهم كثير ما يتخلون بالإصلاح بينهم فيما يتعلق بالحقوق الخاصة وجميعهم اذا عرفوا الشخص مهما كان وثقوا به سوآ اكان من قبائلهم ام غيرها فهم كثيرا يقبلون نصحه وإرشاده وكم قضايا كانت متعقدة منذ سنين حلت بفضل الله عز وجل ثم بمساعدة أهل الخير منهم”.

تقاعد الشيخ عبد الله الرشيد عام  1423هـ بعد خدمة لوطنه استمرت أكثر من 51 عام  بكل إخلاص وتفانٍ  لم ينقض له حكم ولم تدون عليه ملاحظة … رحل عن دنيانا الفانية بعد معاناة مع المرض وافته المنية 3 شوال 1441هـ نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته  ..

وقد تلقى أبناؤه برقية عزاء ومواساة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز والعديد من الاتصالات والتعازي من مناطق ومدن عديدة منها المندق ولقد أستمعت إلى الاستاذ الفاضل علي بن صالح عضو مجلس منطقة الباحة وهو يقدم العزاء و المواساة ، ويذكر مأثره ومحاسنه عندما كان قاضيا في المندق وذلك مما كان له بالغ الأثر لدي في الكتابة عن الشيخ عبدالله  بن عبد العزيزالرشيد  رحمة الله وجعل ما قدمه في ميزان حسانته .

المؤرخ عبد الحي إبراهيم الغبيشي

بواسطة
أ. عبدالحي بن ابراهيم الغبيشي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. اخي. ابو علي اشكرك على مرورك وتعليق وتنويهك على الموضوع وكما تعرف هو مقال قد لا يحتمل وقد اعتمدت فيه على عدة مصادر قد لا يتسع المقال لذكرها منها لقاء معه في مجلة العدل .
    وقد ذكرة كلامه في الموضوع عن اهالي المنطقه في ذلك اللقاء .
    كما اخدت من بعض كبار السن من اهالي المنطقه ومن الاستاذ على بن صالح عندما رثاء الشيخ وقد اشرت إلى ذلك وكان هدفي ابراز الشيخ وتقديمه للقراء وخاصة ابنا المنطقه وفقك الله وسددك

  2. ليتك أستاذ عبدالحي و أنت الباحث و المؤرخ ذكرت المصدر الذي اخذت منه كل موضوعك عن الشيخ عبدالله الرشيد رحمه الله
    فمن باب الأمانة العلمية أن تذكر المصدر و المرجع في ذلك لأن كل ما كتبته عنا لشيخ ذكره الشيخ رحمه الله في مذكرة عن سيرته رحمه الله
    حفظك الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى