مقالات

محافظ المندق.. المبهر

Listen to this article

أ. صالح خميس الزهراني

 ترددت كثيرًا قبل أن أكتب عن سعادة محافظ المندق، الأستاذ قاسم بن سعيد آل محسن، إلا أن موقفًا شاهده الجميع في منتزه الفراشة بالمندق، كان كافيًا ليحمل قلمي شهادة حق، ويثبت أن التقدير لا يحتاج إلى كثير من العبارات، بل إلى موقفٍ صادق ومؤثر.

 ففي إحدى الفعاليات التي أقيمت على شرفه بمنتزه الفراشة في محافظة المندق، وما إن غادر المحافظ المنصة، حتى بلغه من أحد مرافقيه النجباء الذي يقدر العلم والعلماء حق قدرهم والعين النزهية للمحافظ، أن من بين الحضور رجل علم وفكر، وهو المحدث والمؤرخ والشاعر الدكتور جبران بن محمد سحاري، حتى عاد فورًا ليقف أمام الشيخ جبران احترامًا، مرحبًا به باسم المحافظة، مقدّمًا له الدعوة لحفل خاص باسمه، ثم اصطحبه إلى المنصة وكأنه يُعلن أمام الجميع: “هذا شيخنا المؤرخ والمحدث الدكتور سحاري”، قبل أن ينصت إلى قصيدته كاملة، ويودّعه بودّ يليق بكبار العلماء.

ذلك الموقف الإنساني الرفيع، أعاد إلى ذاكرتي مشهدًا مشابهًا في إحدى المناسبات بمبنى مطبعة صحيفة عكاظ، حين وقف الأمير ماجد بن عبدالعزيز –رحمه الله– من مقعده الرسمي، ليذهب بنفسه ويسلّم على أستاذ الصحافة أحمد عبدالغفور عطار، سائلاً عن صحته وغيابه.. نعم، هكذا هم القيادات التي تعي أن العظمة لا تُقاس بالمناصب بل بمقدار التواضع والتقدير للعلماء.

لقد أعلمنا محافظ المندق من خلال موقفه، أنه لا يرى في المسؤولية وجاهة بل رسالة خُلقية وثقافية، وأنه يدرك بأن العلماء هم النور الذي يهدي المجتمعات نحو الحضارة والنهضة، وأن المجتمعات لا تنهض إلا حين تضع للعلم مكانًا، ولأهله تقديرًا.

فحين نقول: “إن فينا من يوقر العلم والعلماء”، فنحن لا نُجامل بل نوثق يقينًا بأن في هذا الوطن رجالاً يدركون أن التقدم لا يأتي إلا على أكتاف العقول النيّرة، وأن التاريخ لا يخلد إلا من رفع قدر الفكر والمعرفة.

وإذا تأملنا في التاريخ، نجد أن كل حضارة عظيمة بدأت من بوابة احترام العلم.. ففي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، كان العلماء يتصدرون المشهد، فازدهرت العلوم ونمت الأفكار.. وكذلك في أوروبا خلال عصر النهضة، كان تمجيد أصحاب العقول أحد مفاتيح نهضتهم العلمية والصناعية.

وقد جاء موقف سعادة المحافظ في كرنفال عبق التاريخ (11)، الذي نظمته جمعية دروب السروات الرياضية بالمندق، تأكيدًا على تلك القيم؛ إذ شارك في الكرنفال عدد من الضيوف في مسارات ثقافية وزيارات تاريخية، أبرزها قرى دوس ومواقعها الأثرية، وكان الشيخ سحاري رمزًا فكريًا وثقافيًا مصاحبًا للرحلة، بأشعاره وكتبه ومسامراته الثقافية، فهو صاحب أكثر من 200 مؤلف، وفصبدة من ألف بيت شعر، وموسوعة علمية تسير على قدمين.

ولا شك أن هذا التقدير من المسؤول يعزز في نفوسنا أن احترام العلم يبدأ من الأفراد قبل المؤسسات، وأن على كل ولي أمر ومربٍ أن يغرس في أطفاله حب العلماء، واحترام المعرفة، والبحث عنها، لأن هذا هو الطريق الأمثل لصناعة جيل يملك مفاتيح المستقبل.

وأختم بالقول:
إن من يُكرم العلماء إنما يكرم الحضارة، ومن يعترف بفضلهم، يبني جيلًا يعرف من أين يبدأ، وإلى أين يتجه.
شكرًا سعادة المحافظ، لقد صنعت موقفًا لن يُنسى، وبصمة لك تليق بمقام العلم وأهله.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى