رحيل جابر العثرات.. ودموع الوفاء تُؤجِّل فرح رُبوع الصفح

أ. صالح بن خميس الزهراني
صحيح أن الموت علينا حق، وأننا راضون بقضاء الله وقدره، وصحيح أننا أبناء أموات وسنلحق بهم يومًا، ولكن تبقى حرقة الفقد موجعة، خاصة حين يغيب عنا من كانوا لنا آباءً وأخوةً وأصدقاءً ورفقاء درب.
لقد فُجعنا بفقد كثير من الأحبة والمعارف، وكان آخرهم المغفور له بإذن الله أبا سعد، عبدالعزيز بن عثمان الزهراني، الذي رحل عن دنيانا وترك بصمة لا تُنسى، وسيرةً عطرةً بين من عرفوه، نسأل الله أن يغفر له ويسكنه فسيح جناته في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
عرفته منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين كان مديرًا لوحدة الزراعة والمياه بمحافظة المندق، وهي الإدارة التي تأسست في عام 1383هـ. كنت آنذاك طفلًا في المرحلة الابتدائية، أرافق والدي -رحمه الله- إلى سوق المندق الأسبوعي، حيث اعتدت رؤية الرجل، بلباسه المتناسق، وابتسامته التي لا تفارق محياه، يسلم على الجميع ويتباسط معهم في الحديث، في مشهد يعكس تواضعه وسعة صدره، لا منصبه الوظيفي فقط.
ثم شاءت الأقدار أن ألتقيه مجددًا في الرياض، عندما انتقلت للعمل هناك أواخر عام 1403هـ، حيث توطدت اللقاءات في مناسبات اجتماعية جمعتنا بأبناء المنطقة. كان -رحمه الله- سبّاقًا للخير، يتقدّم لنجدة المحتاجين ومساندتهم في مراجعاتهم للوزارات، لا سيما وزارة الداخلية، التي كان يحظى فيها بتقدير خاص من كبار المسؤولين، وعلى رأسهم صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وسمو نائبه الأمير أحمد بن عبدالعزيز، وكذلك معالي الدكتور إبراهيم العواجي وكل الوزارة، ومعالي الدكتور عبدالرحمن الجماز مستشار ووكيل الوزارة سابقا.
وقد تولّى -رحمه الله- إدارة الحقوق الخاصة بوزارة الداخلية، ومنها قسم “الزواج من الخارج”، حيث تميّز برؤية حكيمة، إذ كان يستقبل مقدمي الطلبات بنفسه، ويوجههم بما يجنّبهم تبعات هذا النوع من الارتباط، من مصاريف وسفرات ومعاناة، داعيًا إياهم لاختيار شريكة حياتهم من بنات الوطن ممن يعرفن البيئة والعادات والتقاليد.. وكان يسهم في تعرف طالب الزواج بمن يساعده ممن يسكن بقبيلته أو قريته أو الحي بالمدينة التي يسكنها.. كان له أثرٌ بالغ في عدول كثيرين عن قراراتهم بعد حواراته الحكيمة معهم.
ولم تكن أعماله قاصرة على العمل الرسمي، بل كان بيته -رحمه الله- عامرًا بالضيوف، مفتوحًا لكل من قصده، محتضنًا للمحتاجين، مُعينًا لكل من ضاقت به السبل. كان -رحمه الله- مع ربعه المخلصين، مثل اللواء الدكتور صالح بن فارس الزهراني، والأستاذ بخيت بن فرحة، منارات خير في وزارة الداخلية، وركائز نفع وعون وفقا للنظام.
لقد ترك أخونا الفقيد عبدالعزيز بن عثمان بصمةً لا تنسى في الحياة، بصمةً من كرم النفس، ورجاحة العقل، وصدق المشاعر، وتواضع الكبار.. لم يكن مجرد موظف، بل كان مدرسة في الأخلاق، ورمزًا للوفاء، وجابرًا لعثرات الكرام.
وقد كان الحزن على فراقه جليًّا في قلوب من عرفوه ولامسوا نُبل معدنه؛ حيث تجلّت مشاعر الوفاء من أبناء قبيلته بالخزمر في محافظة المندق بمنطقة الباحة، بإعلان لجنة ملتقى “ربوع الصفح” السنوي تأجيل حفل صيف عام 1447هـ، حدادًا على وفاته.
وقد جاء هذا القرار النبيل تقديرًا لمكانة الفقيد واعترافًا بعطائه الكبير، فقد كان –رحمه الله– حاضرًا في قلوب الجميع، لا يبخل بعونه على أحد، ولا يتردد في مد يد الخير لكل من قصده.
رحم الله أبا سعد، وغفر له، وجعل الفردوس الأعلى مثواه، وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان. فقد كان نعم الرجل في حضوره، ونعم الذاكرة في غيابه.



