الوفاء والكرم.. إرثٌ يتجدد في أبناء زَهران

أ. صالح بن خميس الزهراني
في زمنٍ تتغير فيه المفاهيم وتتبدل فيه القيم، تبقى المروءة والكرم والوفاء هي العنوان الأسمى الذي يميز الرجال الأصيلين؛ أولئك الذين لا تغريهم الأضواء، ولا تدفعهم المصالح، بل يقودهم ضميرٌ حيّ وإحساسٌ عميق بالمسؤولية تجاه مجتمعهم ووطنهم.
لقد عُرف مجتمع زهران منذ القدم بمكارم الأخلاق والنجدة وحفظ الجوار، وبأنه منبت الرجال الذين يُعرفون بمواقفهم قبل أسمائهم، وبعطائهم قبل أقوالهم. فهذه القبيلة العريقة، التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ العربي والإسلامي، كان لها حضورٌ مشهود في ميادين الكرم والشجاعة والإصلاح، حتى أصبحت مضرب المثل في التلاحم والتكافل الاجتماعي.
ومن هذا النسيج النبيل خرج رجالٌ حملوا راية الوفاء، وورثوا قيم الإيثار والكرم عن آبائهم وأجدادهم، فأصبحوا اليوم نموذجًا يُحتذى في العمل الاجتماعي والإنساني.
ومن بين هذه النماذج المضيئة للوفاء والكرم يبرز:
- الأستاذ عبد الله بن عبد ربه الحسني الزهراني من وادي الصدر، معلم الاجيال وصاحب فكر وملهم يؤثر ويؤثر على نفسه للأخرين.
- والأستاذ سعود بن خضران الفهمي الزهراني، سليل الحسب والنسب، من أسرة آل مبارك بيت المشيخة في دوس ومن شيوخ زهران، فجده الشيخ مبارك أحد فرسان زهران الذين شاركوا مع الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد من أئمة الدولة السعودية الأولى في غزوه جنوب العراق عام 1212هـ،
- وهاني رجب الحسني الزهراني من قرن ضبي، صاحب فكر نير يعرف به في عمله وعند تعامله وملهم مثال للشباب الوطني بحب وبذل من غير حدود.
هؤلاء جميعًا جسّدوا في مواقفهم معنى الانتماء الحقيقي، فكانت لهم بصمات واضحة في دعم المبادرات الاجتماعية، ومساندة الأسر المحتاجة، ومساعدة كل ذي عوزٍ أو ضيقٍ بصمتٍ ونيةٍ خالصة. لم يسعوا إلى شهرةٍ أو منصب، بل إلى رضا الله أولاً، وخدمة وطنهم ومجتمعهم الذي نشأوا بين أفراده وعرفوا احتياجاته.
إن ما يقدمه هؤلاء ليس مجرد عملٍ خيري، بل هو امتدادٌ لإرثٍ متجذرٍ في زهران، حيث كان العطاء جزءًا من هوية الإنسان الزهراني، لا يفاخر به، بل يعيشه بفطرته. فكما كانت الديار قديمًا لا تُغلق أبوابها أمام الضيف أو المحتاج، كذلك اليوم لا تُغلق قلوب أبنائها أمام من يلتمس العون.
لقد أصبح العمل المجتمعي اليوم أكثر تنظيمًا وتخطيطًا، لكنه لا يزال بحاجةٍ إلى أولئك الذين يحملون روح زهران الأصيلة — روح الفزعة، والنخوة، والبذل دون انتظار المقابل. وهؤلاء الرجال يمثلون الجسر الذي يربط بين الماضي المشرق والحاضر الطموح، الذي يسعى إلى بناء إنسانٍ أفضل ومجتمعٍ أكثر تماسكًا.
ويبقى في أمثال عبد الله بن عبد ربه، وسعود بن خضران، وهاني رجب رسالةٌ واضحة مفادها أن خدمة المجتمع ليست عملاً عابرًا، بل قيمةٌ راسخة تُورّث وتُغرس في النفوس، وأن الأوطان لا تُبنى بالقرارات فحسب، بل تُبنى بأيدي أبنائها المخلصين الذين يعطون بقلوبهم قبل أموالهم، ويجعلون من أفعالهم لسانًا ينطق باسم الكرم والوفاء الزهراني الذي لا يغيب.
إن تقديم الشكر والاعتزاز بمن سجلوا الفضل والتفضّل في خدمة الدولة والمكان والإنسان في زهران، لا يعني الانتقاص من غيرهم، بل هو تقديرٌ واعتزازٌ بجذور الخير الممتدة في الجميع. نحن نباهي بما ورثناه من الآباء والأجداد، ونسرّ بكل من يواصل هذا العطاء، راجين أن نوفق في تقديم ما يكون ملهمًا للأجيال القادمة، ومعبّرًا عن حبنا الصادق لقيدتنا ولوطننا الغالي.



