الأمير سعود بن عبد الرحمن السديري رحمه الله أحد رجالات الحكم والإدارة الذين مرّوا على منطقة الباحة، فتركوا أثراً جميلاً لا تزال مجالس أهلها تتضوع عطراً بذكراه. وقد تولى إمارة المنطقة عندما كانت تحت مسمى “إمارة بلجرشي” بين عامي 1379هـ و1383هـ، ثم امتدت إمارته إلى عام 1398هـ، ولكن بعد انتقال قاعدة الإمارة إلى بلدة الباحة التي تتوسط المنطقة، وتحول اسمها بعدئذٍ إلى “إمارة الباحة”.
كان رحمه الله أديباً مثقفاً، مشرق الكلمة، عميق الأفكار، تستكتبه المجلات الرصينة من طراز مجلة المنهل، فيكتب لها مقالات ترضي الذائقة الأدبية عند القراء. وقد طلب منه المرحوم عبد القدوس الأنصاري (صاحب المنهل ورئيس تحريرها) أن يكتب له مقالاً عن السروات ضمن زاوية اسمها: “ما أعجبني”، ليكون المقال عند تمامه: “ما أعجبني من منطقة السروات”.
كان المقال يومها صورة جميلة ظريفة لمنطقة الباحة (بلاد زهران وغامد) نقلها الأمير إلى شريحة واسعة من مثقفي الوطن، وهو اليوم وثيقة ثمينة من وثائق تاريخ الباحة وتاريخ الحياة فيها.
يقول رحمه الله: «أعجبني في منطقة السروات جمال مناظرها، ونظافة جوها، وجُودَة هوائها، وكثرة أمطارها، واعتدال فصل الصيف فيها، وقَسْرُ أهلها لجبالها، وذلك بتحويلها إلى مدرجات تشكل قطعاً زراعية ذات مساحات كبيرة».
ثم يقول: «وفي مقدمة ما يحتفظ به سكان منطقة السروات من العادات والتقاليد العربية: إكرام الضيف، والنجدة، والمظهر العام للجماعة في القبيلة والقرية. ففي المناسبات تراهم يأتون بشكل جماعات ذات مظهر نظامي مقبول، وكذلك حينما يتجمعون للعرضات أو لاستقبال ضيف عزيز».
ويقول رحمه الله: «ثم هم فوق ذلك يتمسكون بالكثير من ألفاظ اللغة العربية الفصحى في محادثاتهم العامة، وهي ظاهرة تبعث في النفس الاعتزاز».
ويقول رحمه الله: «وكم يسر المرء حينما يرى طفلاً صغيراً يشير إلى المؤنث القريب بقوله “تي”، أو يطلب حاجة من الآخر فيقول “هب لي”، أو يستمع إلى المتكلم العادي عن شجرة العنب فيقول “حبلة”، أو المكان المنخفض “الوهدة”».
وينقل الأمير رحمه الله صورة كنا نراها رأي العين فيقول: «كما أعجبني في منطقة السروات، أنه مهما يبلغ العداء والشحناء بين من يحصل بينهم شيء من ذلك، فإنهم لا يتقاطعون السلام أو الكلام، بل إنهم يتجالسون ويتجاملون، مع احتفاظ كل منهم بحجته أو موقفه».
ويقول رحمه الله: «ومن نكتهم القديمة المشوبة بالحكمة، أعجبني ما قاله أحدهم في تشبيه رجل أراد أن يتشبه بآخر أكبر منه منزلة وأقوى شكيمة، وأراد قومه أن ينصحوه بأن لا يكلف نفسه أمراً لا يستطيع: اتركوا فلاناً فإنه لا يزال في سنّ الكُعَي، أي الجحش الصغير، فإنه في الأسبوعين الأولين من حياته وما دامت أذناه قصيرتين، وعوده غضاً، يتشبه بالفلو في اللعب والمرح. إلا أن أذنيه لا تلبثان أن تطولا، فيثقل عليه حملهما، فتخف رغبته في التشبه بالحصان، حيث يعود إلى أصله».
كان رحمه الله مهتماً بالشباب المثقف المتعلم، وعندي في ذلك حالتان: الأولى تقديمه لكتاب ألفه عبد العزيز مشري رحمه الله، وكان يومها يافعاً لم يُعرف عنه بعدُ أنه مبدع مؤلف، وكان كتابه ذاك في تاريخ الأدب العربي. أما الحالة الثانية فتتمثل في رعايته وتشجيعه لموهبة الشاعر الكبير أحمد مجثل في بواكير شاعريته، كما حدثنا الشاعر نفسه في ليلة من ليالي الشريك الأدبي في الباحة.
لقد تقاعد رحمه الله بناءً على طلبه في عام 1398هـ، ثم انتقل إلى رحمة ربه في عام 1439هـ، لكنه ترك سيرة إدارية حافلة وجهداً أدبياً مرموقاً، ومدرسة جمعت بين الإدارة وثقافة، كان من رجالاتها الشيخ عبد الله المزروع، والباحث الثقافي الكبير علي بن صالح السلوك رحمه الله، والشيخ مساعد بن عبد الله بن رقوش، وغيرهم كثير.