مقالات

كاميرا الجوال في المناسبات.. ثقافة مجتمع أم عادة دخيلة؟

Listen to this article

أ. حمد آل كليب 

لم تعد كاميرا الجوال مجرد وسيلة لتوثيق اللحظات وحفظ الذكريات، بل تحولت لدى البعض إلى حضور دائم يطغى أحيانًا على روح المناسبة ذاتها. ففي مجلس العزاء نجد من يضيء فلاش جواله في وجه قريب المتوفى سائلاً إياه عن مشاعره أمام المعزين! وفي حفل الزفاف يتكرر المشهد مع العريس وكأن المناسبة ليست للفرح بل لصناعة محتوى.

وليس المقصود هنا استخدام التقنية بسلبية أو التقليل من دورها في التواصل والتوثيق، فهناك من يستخدمها بوعي ويقدم محتوى مختلفًا ونافعًا. لكن اللافت أن بعض رجال الأعمال والشخصيات الاجتماعية حين يقيمون مناسبة يحرصون على دعوة مشاهير التواصل والإعلاميين، حتى يبدو أحيانًا أن الدعوة ليست لأشخاصهم بقدر ما هي لجوالاتهم وما تحمله من كاميرات ومتابعين. وهنا يبرز السؤال: هل أصبح تقدير بعض الضيوف لشخصياتهم أم لما تحمله جوالاتهم من قدرة على صناعة الحضور والانتشار؟

ولم يتوقف الأمر عند التصوير بل امتد إلى الضيافة، فأصبح بعض المضيفين يصورون ضيوفهم وما قدموه لهم، فيما يوثق بعض الضيوف ما قيل في حقهم من مديح وقصائد؛ لتتحول المناسبة من لقاء صادق إلى مشهد استعراضي.

المشكلة ليست في التقنية بل في طريقة استخدامها. فحين يصبح كل موقف مادة للنشر يتراجع الحضور الحقيقي وينشغل الفكر بعدد المشاهدات.

وإن كان البعض يرى في النشر مشاركة وتواصلًا وإشراكًا للغائبين، فإن السؤال يبقى: أين الحدود؟ ومتى تتحول المشاركة إلى اقتحام للخصوصية؟ لقد عُرف مجتمعنا بقيم حفظ المقام واحترام الضيف ومراعاة مشاعر الآخرين، وهذه الممارسات تضعف تلك القيم حين تصبح الكاميرا أهم من المناسبة وأهلها.

في الختام، الخصوصية خط أحمر، ولا يكفي أن يسمح لك صاحب الشأن بالتصوير مجاملة. ففي الأفراح نذهب لنفرح، وفي الأحزان لنواسي، وفي المجالس لنلتقي لا لنبحث عن لقطة.

فليست كل لحظة تستحق أن تُصوَّر، وليست كل صورة تستحق أن تُنشر، وليس كل ما نراه يحق لنا أن نقتحمه.

فالاحترام ثقافة، والخصوصية أمانة، ومن يحترم خصوصية الناس يحترم مجتمعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى