
أحوال- مكة المكرمة -هشام نتو :.
عندما يحل عيد الفطر أو عيد الأضحى المبارك تتداخل المشاعر بين فرح الصائمين بإتمام صيام شهر رمضان وبين الفرح بحلول عيد الفطر السعيد المبارك في جميع أنحاء العالم، حيث ينتاب المسلمون نوبة من الفرح والسرور بالذات في الحجاز بالمنطقة الغربية مكة وجدة والطائف حيث يكون الفرح بالعيد بطعم آخر طعم تختلط فيه عادات سنوية موروثة، فبجرد ثبوت رؤية هلال عيد الفطر المبارك يكون هناك طقوسا وعادات لأهل الحجاز حريصين على القيام بها ويكون ترتيباتها من قبل يوم العيد بعدة أيام.
فمجرد اعلان العيد يتأهب جميع المسلمين في العالم الإسلامي رجالا ونسا صغار وكبار وبعض الحاضرين يكون مرتدي الزي الحجازي المكي والمعروف أيضا في جدة والمدينة وبعض من أهالي الطائف عروس المصايف المكون من الثوب الأبيض بالازارير المتدلية بالخيط المكشكش والسديري البلدي البيضاء والعمامة والقشة والقمر وبعض من النساء في تجمعاتهم من كبار السن يرتدون بما يعرف بالمحرمة والمدورة بالتحضير لأداء صلاة العيد جماعة في مصليات الأعياد أو الجوامع المهيئه سلفا لذلك، فيلبس الجميع الجديد من الثياب، والتعطر بأذكى الروائح العطرة ابتهاجا بقدوم تلك الأيام الجميلة والتي تحمل في خلجاتها الكثير من التكافل الاجتماعي واللقاءات الاجتماعية الأسرية وغير الأسرية بين الأهل والجيران والمعارف؛ لقاءات تحمل الكثير من العادات الاجتماعية الحسنة والتي ترمز لحضارة وثقافة المجتمعات في كل بلد ومنطقة في العالم الإسلامي.
ففي أول يوم وبعد أداء صلاة العيد يتقابل في المصلى الأهالي والجيران والمعارف ويتم التهنئة للجميع ومن الجميع بالعيد وذلك بالسلام والأحضان والقبلات وبعد ذلك تتوجه الأسر كلا حسب ترتيبه وعُرفه والذي لا يختلف كثيرا عن العادة السنوية لكل مجتمع فيكون اليوم الأول الاحتفال بالعيد في بيت الوالدين كبار السن في العائلة فيجتمع الأهل والأقارب على سفرة الإفطار والتي تتزين بأطباقها اللذيذة المخصصة في عيد الفطر مثل أطباق لتعتيمه (الجبن والزيتون والحلاوة الطحينية والشامية والطواشي أو ما يعرف بالأشار) والطبق الرئيسي طبق المنزلة – لحمة بالطحينة- ولها طريقة في إعدادها وعينة اللحمة أيضا التي تطبخ بها وكذلك طبق التحلية (الدبيازة) بالمكسرات والتي يتنوع تناولها حيث هناك من يشربها بالكأس كعصير ثخين ومنهم يتناولها كطبق شربة بالملعقة والأصل في أكلها بالخبز وحلا الزلابية واللقيمات والانمبة وعيش الحب، ويحل الفول ضيف شرف السفرة أيضا وهو من الأطباق الرئيسية لسفرة رمضان وبعد المناطق في السعودية بشكل عام تختلف سفرة الإفطار لديهم حيث يضيف لها الجريش والمرقوق ومغش اللحم والحنيذ والملة والخبيزة والعصيد كلا حسب عرفه وثقافته والسعوديين يتفننون بتقديم تلك الأطباق ويزينونها بإبداع ورقي.
وبعض مصليات العيد يتعاون فيها أهالي المنطقة أو الحي بإقامة إفطار جماعي لكل من حضر صلاة العيد ويعلن عنه سلفاً ويكون في الغالب كبسة أرز باللحم مؤخراً اختفت هذه العادة في المدن.
وبعد الإفطار يجتمع الأهالي في المنازل ويتبادلون أطراف الأحاديث بتذكر العادات والشخوص من العائلة والمعارف الذين رحلوا عن عالمنا ويترحم عليهم ومن العادات الجميلة في تلك الأعياد والتي تخص فرحة الأطفال من الأولاد والبنات بما يعرف بـــ “العيديات” وهي وهبة مبلغ بسيط يعطى لهم كهدية تفرحهم وتدخل السرور والسعادة على قلوبهم ويعتبرونها الأهالي من تعظيم شعيرة العيد بإسعاد تلك الفئة الغالية في الأسر الحجازية والتي كلما كبر الشخص قلة نصيبه في الحصول عليها والتي كانت تبدأ بقرش وقرشين وأربعة قروش إلى صدور العملة الورقية والمعدنية الجديدة فأصبحت العيدية تبدأ بربع ريال ونص ريالا وريال وأصبحت تزيد حسب القيمة السوقية للمشتريات وتختلف قيمة العيدية من أسرى لأخرى حسب المستوى المادي لها.
ولا تخل تلك الأيام من تبادل الزيارات والتي كانت العادة في وقتها –صباحا- كانت زيارات المعايدات بين الأهل والأقارب والجيران والمتعارف وقت الزيارة في الصباح أو بعد العصر إلى المغرب فقط ولكن مع تداخل بعض الثقافات واختلاف بعض الاولويات أصبحت المعايدات من بعد العصر إلى آخر الليل واختفت بشكل ملحوظ المعايدة صباحا إلا عن قلة قليلة جدا.
الليلة اليتميه هي ليلة أول يوم من أيام العيد يطلق عليها _الليلة اليتيمة_ حيث لا تجد في تلك الليلة أحد سهران لأن الغالبية العظمى مواصل من آخر يوم في رمضان إلى آخر نهار يوم العيد فيغلب النوم على الجميع فلا تكون في تلك الليلة أي زيارات أو فعاليات هدوء تام وسبات عام.
أما اليوم التالي وما يليه من أيام تكون هناك مباهج العيد في الأحياء القديمة من تزيين الشوارع وسرج عقود اللمبات على جدران البيوت وينشأ أهالي بعض الأحياء الشعبية بما يسمى سابقا _بالبرزة_ وما يعرف حاليا بمنصة مسرح وهي بمثابة محفل عيد يتجمع فيه عمدة الحي واعيان الحارة وأبنائها رجالا فقط دون النساء – النساء عيدهم مستورون في البيوت-.
حيث يقدم في البرزات العديد من الفعاليات من العاب بدنية للأطفال ومسابقات فكرية ويكون فيها لعب المزمار وهم يرددون بقولهم (زمان يا عود ما قلبتك الأيادي) ويقصدون فترة توقف اللعب بعود المزمار خلال شهر العبادة في رمضان.
ويرددون كثير من أهازيج الأعياد والتزهيدات الدينية ما عرف بــ _الصهبة_ وكان أهالي الحارات يبدعون في إنشاء البرزة وتزيينها في كل حي ويتفاخرون بها وكان بعض الفنانين يحلون ضيوفاً على بعض تلك البرزات مثل حسن درديري وطلال مداح وغيرهم.
وكانت المعايدات لمنازل الأهل والأقارب بالسير على الأقدام لقلة توفر السيارات بما هو الوضع الآن ويكون فيها اللقاءات البدنية وليس ما هو أصبح عليه الحال الآن المعايدة برسائل الجوال دون الاتصال أصبح هناك فجوة في التواصل لأسباب كثيرة منها بعد المسافات أو كثرة الارتباطات الأسرية والمناسبات العائلية وغيرها التي تسببت في فتور في التواصل.
ومن العادات الجميلة أيضاً التي اختفت تماما أن إذا زار أحدا يكتب له ورقة على الباب “حضرنا ولم نجدكم” وبعض أصحاب البيوت يترك دفتر عند الباب ليعرف حين عودته من زاره ليرد له الزيارة، وسبب اختفائها توفر وسائل الاتصال التي كانت غير منتشرة سابقا بالكمية والنوعية.
ومن العادات القديمة كان الأهالي يشترون خبزا بكميات تحسبا … لأن المحال “البقالات” تقفل لمدة ثلاثة أيام الكل يعيد ويتفرغ للعيد والزيارات والمعايدات والمناسبات.
ومن حلويات العيد والمكسرات والمشروبات الباردة التي تقدم للمعيدين حلويات اللوزية وطبطاب الجنة وحلاوة ماكنتوش والبسكوت الحلو بنكهة الموز وبسكوت الزبدة الدنماركي _يجي في علبة معدن كبيرة والبسكويت في قوالب ورقية_ وعصير أهل أول “عصير قمر الدين” البارد ومشروبات الكولا وكندا الغازية في القوارير الزجاج والمكسرات عبارة عن اللوز السوداني والفصفص الصغير والفصفص والدبة الأبيض والحمص الأصفر المعروف زمان “بالنقل المجمع” بالإضافة للشاي المنعنش والقهوة المبهرة بالهيل الأصيل.
وكان من الأهالي يقيمون مناسبات الأعراس في أيام العيد من بعد الخمس الأيام الأولى ولم تكن هناك قصور أفراح وقاعات بالعدد الحالي سوى قصر أفراح بدر الأمامي والخلفي بالزاهر وقصر زيني عارف بشارع الحج والحناوي بالطندباوي وقصر أفراح خوقير بالشهداء جوار السجون وبعدها بدأت قصور الأفراح وقاعاتها بالانتشار مثل قصر أفراح وادي جليل، وقصر السعادة بالمعيصم ، وقصر أفراح التهاني بالزاهر، حيث كان من السابق تقام مناسبات الأفراح في الحارات ويشارك فيها جميع الأهل بأدوات الطبخ والفرشات ومغاسل الماء في البيوت والقهوجي وفناجين الشاي والقهوة واكياس الأرز والسكر والدقيق وتنكات الزيت ويصبح العيد عيدين لأهالي الحي أو المنطقة.
عادات عاشت بداخل الأهالي وأصبحت من موروثاتهم وثقافتهم الشعبية يعاودونها من حين لآخر للحفاظ عليها وتناقلها للأجيال التي تليها لما تحمله من موروثات سلوكية وخلقية عريقة تصف جمال الحقبة الزمنية التي تولدت فيها وتحكي عن ثقافة أمة عاشت في تكافل اجتماعي والفة بيئية بدأت تتلاشى في زمننا الحاضر وما نراه الآن أن قلة من الأسر في الوطن العربي أو الإسلامي عاد يبحث عن الموروثات ويشجع لها وهذا ما يطالب به الجميع ليقوي الترابط الأسري والالفة والحمة الوطنية للمجتمعات والشعوب.




