إياكم وهذا الدعاء..

أ. شهوان بن عبد الرحمن الزهراني
دعاء يتكرر بين الناس أثناء تأدية العزاء والمواساة وهذا الدعاء ليس عرضياً أو يأتي لحالة دون حالة ولكن الملاحظ أنه دعاء يقوله كثير من المعزين ويجعلونه من أهم عبارات المواساة وأساليب العزاء التي يظهرونها لأهل المتوفى وأنهم بذلك يتمنون لأهل العزاء عدم تكرار هذا الأسى والحزن الذي يعيشون فيه، ولهذا فلا تخلو كلمة معظم المعزين من هذا الدعاء فهم يقولون ” جعل الله مصابكم آخر الأحزان ”
كنت أحدّث نفسي في معنى هذا الدعاء وأجد أنه غير مناسب فلهذا لم أستعمل عبارة هذا الدعاء، في تعزية أي مصاب، وفي إحدى مناسبات العزاء كنت مع بعض الأخوة فألقيت على بعضهم ما دار في ذهني حول هذا الدعاء على هيئة سؤال: ما هي العبارة المناسبة والرد الملائم لمن يقول لأصحاب العزاء: جعل مصابكم آخر الأحزان أو خاتمة الأحزان.؟ ” فقال أحدهم: يمكن أن يقال:” جزاكم الله خيراً.” بينما الثاني قال: يقال له:” آمين.” أما الثالث فقال: يقال له:” وإياكم.” فقلت: ولكن ما معنى هذا الدعاء وما حقيقته جوهره؟ فأجابوا بألفاظ مختلفة ومعناها واحد. يتلخص ذلك الجواب في أن هذا الدعاء معناه أن يكون هذا المصاب آخر الأحزان، وأن لا يتكرر هذا الحزن، فلا يصيب أهل العزاء حزن آخر. قلت: وهل حياة الإنسان – أي إنسان – تخلو حياته من الأحزان بكل أنواعها ودرجاتها وقوتها وضعفها.؟
وهل هناك إنسان تخلو حياته من الحزن.. أم أن الحزن ظاهرة لا تخلو منها حياة أي إنسان، سواء بفقد قريب أو خسارة مالية أو حدوث مرض لحبيب أو وقوع مشاكل في الحياة أو أي نوع من المصائب وما أكثرها في حياة الناس في هذه الأيام. فالحزن لا يتعلق بالموت وحده، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحزن، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ من الموت لأنه لا محالة واقع. وكل أمر لا بد أن يقع فلا أحد عاقل يدعو بعدم حدوثه .
وطالما أن الأحزان ملازمة للإنسان بصفة عامة وبخاصة أحزان الموت فلا أحد ينجو منه، وأن كل أسرة سيتكرر الحزن عليهم كلما تكررت حالة الوفاةبينهم، فإن المعنى الحقيقي لهذا الدعاء في حالة الاستجابة هو أن هذا الشخص المدعو له سيكون آخر أحزانه هذه الحالة، ولن يحزن بعدها، وهذا يعني مغادرته الحياة، ذلك إن عدم وقوع الحزن عليه مرة أخرى لا يتحقق إلا بموته.
ومن هنا فإننا وبحسن نية ودون التدقيق في معنى العبارة وما يحيط بها من محاذير نتلفظ بها فيما بيننا ونجعلها من عبارات المواساة والتعزية بيد أن الأمر يقتضي عدم استعمال هذه العبارة، وأن يتم التمحيص والتدقيق في كل العبارات التي نستخدمها في التعزية أو التهنئة باعتبار إن هذا الدعاء يكون دعاء على أهل الميت بالموت لا دعاء لهم بالبقاء.
ومع أنني لا أعلم متى ظهرت هذه العبارة وهي عبارة ما كنّا نسمعها قديماً ونحن صغاراً وبخاصة في منطقتنا الجنوبية، لكننا اعتدنا على سماعها فيما بعد، ولا أدري أين كان منشأ هذه العبارة.
ربما يكون أصل هذا الدعاء جاء في بعض حالات من الحزن حينما يتعلق الأمر بخسارة مالية أو فقد منصب أو وقوع طارئ أدى إلى هلاك لممتلكات الإنسان فالخسائر التجارية مثلاً وفقدان المناصب والحوادث الطارئة ربما تأتي مرة واحدة فلا تتكرر في حياة كل إنسان كثيراً، وقد يكون هناك وجه مقبول لهذا الدعاء، أما في حالة العزاء فهو دعاء على الإنسان وليس له.
في رسالة تعزية في ابن شقيقي وزوج ابنتي رحمه الله وغفر له وردتني من الأخ الفاضل العميد على بن ضيف الله خرمان الزهراني وجاء فيها – وأنقله حرفياً – إذ قال:” نقوم لا شعوريا بالدعاء على بعضنا البعض مواساة لبعضنا بقولنا ( جعلها الله آخر الأحزان ) وهنا يعني بدون قصد أن يكون المدعو له هو التالي…. ” أ.ه
وأضم صوتي لصوت أديبنا الفاضل أبي حاتم وأقول أنه ينبغي التنبيه على بعضنا أن لا ندعو بهذا الدعاء وأن تكون تعزيتنا بما هو مأثور عن رسول الله صل الله عليه وسلم وفيه الهداية والكفاية وطيب المواساة.



