مقالات

بين الحقيقة والضجيج الرقمي

Listen to this article

د. صيدلي/ صبحي الحداد

تتداول منصات التواصل الاجتماعي حاليًا ادعاءات مثيرة مفادها أن النوم المتواصل لثماني ساعات مجرد «خدعة»، وأن النوم الطبيعي يجب أن يكون على فترتين، كل منهما أربع ساعات يتخللهما استيقاظ لساعتين. بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، باتهام عالم النوم Nathaniel Kleitman بأنه صاحب هذه «الكذبة» لخدمة مصالح تجارية.

علميًا، هذه الطروحات تحتاج إلى قدر كبير من التمحيص. ففكرة «ثماني ساعات نوم» ليست قانونًا بيولوجيًا صارمًا، بل هي متوسط تقريبي لاحتياج الإنسان البالغ. إذ تختلف ساعات النوم من شخص لآخر، وقد تتراوح بين ست إلى تسع ساعات أو أكثر قليلاً، تبعًا للعمر والحالة الصحية ونمط الحياة.

أما ما يُعرف بالنوم ثنائي الطور، فهو نمط كان شائعًا بالفعل في عصور ما قبل الثورة الصناعية، حيث كان الناس ينامون «نومتين» يفصل بينهما وقت يقظة قصير. إلا أن هذا لا يعني أنه النمط الأمثل طبيًا في عصرنا الحالي، بل هو مجرد أحد أشكال تنظيم النوم التي فرضتها ظروف الحياة آنذاك.

وفيما يتعلق بالادعاء الموجه إلى Nathaniel Kleitman، فلا توجد أي أدلة علمية موثوقة تدعم هذه الرواية. بل على العكس، يُعد الرجل من أبرز رواد علم النوم الحديث، وأسهمت أبحاثه في فهم الإيقاع الحيوي ودورات النوم، دون أن يرتبط اسمه بأي توجهات تجارية من هذا النوع.

الخلاصة أن الجدل الدائر يعكس خلطًا بين حقائق علمية ونظريات غير موثقة. فالنوم ليس رقمًا ثابتًا، ولا قالبًا واحدًا يناسب الجميع. المعيار الحقيقي هو جودة النوم والشعور بالراحة والنشاط خلال اليوم. وما عدا ذلك، يبقى ضمن دائرة الاجتهادات الفردية التي لا ينبغي تعميمها أو تقديمها كحقائق مطلقة.

وسلامتكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى