مقترح ولكن!

أ. عيسى المزمومي
في ظل التحولات الثقافية الكبيرة التي يشهدها العالم، تبرز أمامنا إشكالية مهمة تتعلق بدور المؤسسات الثقافية في تشكيل المشهد الفني، ومدى قدرتها على تلبية متطلبات العصر.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل لا تزال جمعيات الثقافة والفنون قادرة على أداء دورها كحاضنات للإبداع، أم أنها تحولت إلى كيانات شكلية تفتقر للرؤية والفاعلية؟
عند النظر إلى واقع هذه الجمعيات، نجد أنها لعبت دورًا محوريًا في دعم الحركة الفنية السعودية، حيث كانت في الماضي منصة انطلقت منها العديد من المواهب الواعدة. ولكن، ماذا عن الحاضر؟ هل لا تزال قادرة على تحقيق هذا الدور؟ هنا يظهر اقتراح جريء طرحته سابقًا، وهو تحويل مقار جمعيات الثقافة والفنون إلى مراكز متخصصة لتعليم الفنون، وخاصة الموسيقى، بدلاً من الاستمرار في مسار يبدو أنه لم يعد يحقق الأهداف المرجوة.
جوهر هذا الاقتراح يكمن في التساؤل عن طبيعة دور هذه الجمعيات اليوم.. هل هي مؤسسات تحتضن المواهب، أم أنها تحولت إلى دوائر مغلقة تسيطر عليها المصالح الشخصية والمحسوبيات؟ تجارب العديد من الفنانين السعوديين تشير إلى أن النجاح لم يكن دائمًا مرتبطًا بدعم الجمعيات، بل غالبًا ما كان يعتمد على المثابرة الشخصية والدعم الخارجي على سبيل المثال، لم يحقق الفنان عبدالمجيد عبدالله نجاحه بفضل دعم الجمعية وحدها، بل نتيجة اجتهاده ورؤيته الخاصة.. أما راشد الماجد، فقد وجد رعاية فنية حقيقية خارج إطار هذه الجمعيات، مما ساعده على الوصول إلى النجومية التي نعرفها اليوم.
لا يهدف هذا الحديث إلى انتقاد جهود العاملين في هذه المؤسسات، بل هو دعوة للتفكير في جدوى الاستمرار بنفس النهج في عالم يتغير بسرعة.
يجب أن تكون الإدارة الفعالة لأي مؤسسة ثقافية قائمة على رؤية واضحة ومنهجية محددة، قادرة على استيعاب التغيرات وتحويل التحديات إلى فرص. الانتقادات الموجهة لإدارة جمعيات الثقافة والفنون ليست مجرد هجوم، بل هي تساؤلات مشروعة حول الحاجة إلى قيادات تمتلك القدرة على الابتكار وإعادة الهيكلة بما يتناسب مع تطلعات الشباب والمواهب الجديدة.
قد يكون تحويل هذه الجمعيات إلى مراكز تعليمية متخصصة أكثر فائدة للمشهد الفني، إذ سيوفر بيئة حقيقية لصقل المواهب وتنميتها، بدلاً من أن تبقى هذه المؤسسات مجرد كيانات رمزية لا تواكب العصر. لكن السؤال الأهم هنا هو: هل نحن مستعدون لهذا التغيير؟
التغيير ليس ترفًا، بل ضرورة تفرضها حركة الزمن. فالمواهب الشابة تحتاج إلى بيئات تعليمية حقيقية، إلى ورش عمل، وإلى فرص للتعلم والنمو. فإذا لم تكن جمعيات الثقافة والفنون قادرة على تقديم ذلك، فلماذا لا نعيد التفكير في دورها؟
يبقى الاقتراح مطروحًا، والسؤال معلقًا: هل سنكتفي بالمشاهدة، أم سنمتلك الجرأة لإعادة النظر في المسار الذي نسلكه؟ لأن الفن، في جوهره، هو قدرة على الخلق والتجديد، وليس مجرد تكرار لما كان!



