مقالات

الامتنان.. نور يفتح أبواب الرضا

Listen to this article

المهندس/ حسن بن عتيق الزهراني 

الأيام التي نعيشها تُشرق فيها القلوب قبل أن تُشرق الشمس. تبدأ بنبض النعم، ويكفي أن تستيقظ بقلبٍ هادئ، تفتح نافذتك فتدرك أنك ما زلت تتنفس، وأن التنفّس بحد ذاته أعظم برهان على أن الله منحك صباحًا جديدًا.. عندها تكتشف أنك تملك أكثر مما كنت تظن:

حواسٌّ سليمة، ذاكرة تسترجع، قدمان تحملانك، وقلب ينبض بالحياة.. وحين تنهض من فراشك، فإنك ما زلت تملك ما تحب وما تشكر الله عليه.. هنا يتجلّى معنى الامتنان؛ فكل ما يبدو بسيطًا في حياتك يصبح كنزًا حين تنظر إليه بعين من كاد أن يفقده.

خذ على سبيل المثال الحديقة؛ ذلك المكان الذي يجسد السلام: أشجار تتسامى، زهور تتمايل مع النسيم، أطفال يركضون فرحًا، وكبار سن يرافقون الوقت بهدوء.. في مثل هذا المشهد يلتقط الامتنان أنفاسه، إذ تعرض الحياة جمالها البسيط بلا مقابل.. الامتنان لا يحتاج إلى حدث عظيم، بل ينبت من انتباه صادق للتفاصيل الصغيرة:

مقعد خشبي دافئ بالشمس، نسمة لطيفة تُخفّف من ثقل التفكير، ظل شجرة يحنو عليك، فيُذكرك بأنك ابن الأرض ولم تغادر حضنها يومًا.

وفي الحديقة تبدأ رحلتك البصرية مع الامتنان، فتدرك أن الرؤية ليست بالعين فقط، بل بالعدسة التي ترى بها.. تنسيق الزهور يبهر، والانسجام بين الإنسان والطبيعة يدهش، وحتى المقاعد الخشبية الجامدة تراها بعدسة الامتنان محطاتٍ للراحة والتأمل.. كل ما كنت تتجاهله يتحول إلى معنى حيّ حين تنظر إليه بعين الشكر.

إن عدسة الامتنان لا تغيّر الصورة بل تُضيء معناها، ولا تبدّل المشهد بل تُعيد توجيه بصرك نحو النعم.. هي بوصلة تشير إلى ما وهبك الله، خصوصًا ما يختبئ في تفاصيلك اليومية: كوب ماء يروي عطشك، ثوب يسترك، ساعة تهمس لك “ما زال لديك وقت”، ومضجع يأويك من عناء يومك.

بهذه العدسة يتحوّل البسيط إلى ثروة:

  • قطعة خبز جافة تصبح وليمة حين يشتد الجوع.
  • رشفة ماء في حرّ النهار تصير غديرًا باردًا.
  • ظل شجرة في الظهيرة يفوق أفخر السجاد.
  • هدوء المساء ينهمر كتسابيح نورانية.
  • ضحكة طفل تعيدك إلى براءة البدايات.
  • ابتسامة عابر غريب تتحول إلى شعاع سلام.

الامتنان يملأ القلوب ويطهّرها من السخط والجحود، ليترك مكانًا للرضا. إنه يقظة لطيفة لما لديك منذ البداية، وكان ينتظر منك فقط أن تنتبه إليه.. ومعه لا تشعر أن الأرض وحدها من تسندك، بل أنت أيضًا تسندها بحبك وامتنانك وحضورك.

كل لحظة تمر نعمة، لأنها تعني أن صفحتك ما زالت مفتوحة.. والامتنان لا يطلب المزيد، بل يُذكّرك بما لديك، فيعيد الأشياء إلى حجمها الحقيقي، ويجعلها جميلة بما يكفي. هو لا يغيّر العالم، بل يغيّرك أنت، وحين تتغيّر أنت يتغيّر العالم كله في عينيك.

الامتنان يُحسّن المزاج، ويهذّب الأخلاق، ويجعل قلبك أكثر وعيًا ورضا.. إنه فنّ الإقامة في النعم بدل التطلّع المرهق إلى ما لا تملك. هو الاعتراف المتكرر بأنك تعيش في فيض من عطايا الله، وأنك تملك أكثر مما كنت تعتقد، وأن في كل تأخير لطفًا، وفي كل لحظة فرصة.

فليكن الامتنان طريقتك في استقبال الحياة. لا تنتظر هبات عظيمة، بل انظر بعين جديدة إلى تفاصيلك الصغيرة: فنجان قهوة، كلمة طيبة، لحظة راحة. اكتبها وسمّها واحتفظ بها في قلبك كوثيقة شكر لله. لن تستطيع أن تحصي نعم الله، لكن جرب أن تعدّ ما استطعت منها لتتذكر ما لديك بدلًا من الانشغال بما ينقصك.

حين تعود سالمًا من طريق، حين تكتشف صبرك على الأزمات، حين تشعر برحمة الله، حين تُكمل يومك بسلام وتنام دون ألم، حين ترى وتسمع وتتذوق… تذكر نعم الله وخذ نفسًا عميقًا وردّد: الحـمد لله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى