الرئيسيةثقافة

حياة صامتة..

Listen to this article

 أ. بدور سعيد الغامدي

قصة قصيرة:

في زحمة الضجيج البشري، ثمّة حيوات تمضي* بصمت، تتنفس المعنى بعيدًا عن الصخب، وتشيّد بملامحها البسيطة فلسفةً خفية عن الرضا والسكينة.. هناك، حيث تنطق العيون بدل اللسان، ويتحوّل الصمت إلى لغةٍ عميقة، تنبض التفاصيل اليومية بما لا تقوله الكلمات.. في هذا الصمت المرهف، تتجلى قصة حياة، كلوحةٍ رسمتها الأيام بألوان الحنين والوفاء.

استيقظا معًا مع أول خيوط الفجر، وكأن الصمت هو اللغة التي أبرما عهدها منذ زمن بعيد. لم يتبادلا التحية بصوت، لكن أعينهما تبادلتا ما يكفي من الحروف الخفية لتشذيب حواف الصمت في حناجر الكلام.. كانا كفنانين يرسمان لوحتهما اليومية بلا صخب، يرسمان خطوطًا باهتة ثم يسكبان عليها الألوان، حتى إذا اكتمل المشهد قلباه فجأة ليكشف عن ملامح حياة عجيبة، قد تكون نسيمًا عليلًا، أو طائرًا مغردًا، أو لحظة خاطفة تختصر معنى الوجود كله.

جلسا على طاولة الإفطار. القهوة تفوح عطرها بينهما، لكن الكلمات لم تجد طريقها إلى المائدة.. أعينهما وحدها كانت تنطق:

سؤال في بريق، وجواب في رمشة، واطمئنان في نظرة مطمئنة.. كانا يفهمان بعضهما بلا جهد؛ فهما يعرفان أن الحب لا يحتاج إلى لغة منطوقة.

هو يتناول منجله وسلته الكبيرة ومقصه وإبريقه، ويتجه صوب الحديقة المهملة ليعيد لها الحياة، يغلق الباب خلفه ببطء، وكأن حتى الضجيج لا يُسمح له أن يقتحم عالمهما.. وهي تتجه نحو المغسلة، تغسل الأواني وتصفها في خانة التجفيف، حتى إن آخر قطعة معدنية تلمع بين يديها كأنها تبتسم امتنانًا لسيدتها.. بعد ذلك تتجول في البيت، تكنسه ركنًا ركنًا، ترتب الأثاث بصمت أنيق، وتنسج حول المكان طمأنينة خاصة تنتظر بها عودة الزوج العجوز.

حين ترتفع شمس الظهيرة، يجلس هو في الحديقة متصببًا بعرق النهار، يروي التراب ويجتث الحشائش، فيما هي تطهو طعام الغداء وتقرأ الصحيفة.. بينهما جدار من صمت، لكنه ليس فراغًا، بل امتلاء بحضور الآخر.

وعندما يحل المساء، تلفهما السكينة في عباءتها الكثيفة.. يتناولان عشاءً بسيطًا، ثم يخلدان إلى فراشهما المشترك.. ينامان متقابلين بظهريهما، لكن أحلامهما تلتقي في الفضاء الفسيح، تتشابك بخيوط غير مرئية، كأنها لغة جديدة لا يتقنها سواهما.

يا لعالمهما العجيب! زوجان أصمّان، حولا الصمت إلى جسر، وجعلا من الحياة لوحة بديعة ترسمها النظرات والابتسامات أكثر مما تصنعها الكلمات.

*عبارة “ثمّة حيوات تمضي” تعبر عن استمرارية الحياة وتعاقب الأحداث، حيث تتوالى الأيام والعصور.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يشدو الكتاب وذوي الخبرة في الفن القصصي بقصص
    قد تكون من نسج الخيال وقد تكون حقيقه لكنها تاخذنا
    معهم إلى عالمٍ آخر قد نستوحي من ذلك تغيير نمطي
    في مفاهيم السلوك الغير مالوفه لمجتمع آخر
    ونستنتج القوة الوفاء التسامح الصبر اشياء كثيرة قد نستفيد منها كقراء مع إختلاف الزمان والمكان وكذلك
    سعة البال والتحمل
    الكاتبة الرائعة بدور الغامدي بحجم السماء شكرا لك
    فقد نورتي ساحة صحيفة أحوال وارويتي ذائقتنا
    مع تحياتي وتقدير لعراب صحيفة أحول الاستاذ الكبير
    والاعلامي البارز غميص الظهيري وللجميع التحية

زر الذهاب إلى الأعلى