مقالات

الشعر الشعبي.. ذاكرة وطن وهوية لا تغيب

Listen to this article

 

 

المستشار التربوي والتعليمي/ عبدالله بن عطية الزهراني

قرأتُ مقال الدكتور ساري الزهراني بعنوان «الشعر الشعبي لا يستهويني»، فوجدت أنني أختلف معه اختلافًا كاملًا؛ فالشعر الشعبي ليس مجرد كلماتٍ تُقال في مجالس السمر، بل هو جزءٌ أصيل من تراثنا الثقافي وهويتنا الوطنية، يحمل في أبياته قصص الناس، وأفراحهم، وأحزانهم، ومواقفهم، وفخرهم بانتمائهم لأرضٍ وُلدوا عليها وكبرت معهم.

فحين نتحدث عن الشعر بصفة عامة، نتحدث عن ديوان  العرب وتنوع الألسنة والبيانات هذا الفنٍّ الضاربٍ في جذور العرب؛ نجده ديوانٍ حفظ تاريخهم، وصاغ أمجادهم، وصوّر حياتهم بتفاصيلها الدقيقة.
وقد تفرّعت منه مدارس شعرية مختلفة تبعًا لبيئات الناس وثقافاتهم؛ بدءًا من الشعر الفصيح الذي أبدع فيه الكبار منذ الجاهلية، وصولًا إلى الشعر الشعبي الذي نشأ في حياة الناس اليومية ولغتهم القريبة من قلوبهم.

الشعر الشعبي سجل مجتمع بلغتهم وصوت وجدانهم في موروث  زهران هو شعر الجبل، شعر العرضة، المسحباني، اللعب، والهرموج، إلى جانب ألوان كثيرة من النبطي إلى الزجل والشَّقر وغيرها كثير.

والشعر الشعبي في تصوري الخاص هو نبض المجتمع؛ هو الصوت الذي عبّر عن الإنسان البسيط، عن همومه وقضاياه وانفعالاته، بلغةٍ يفهمها ويشعر بها.

ومن أبرز ألوانه الشعر النبطي الذي انتشر في بادية الجزيرة العربية، فغدا مرآةً صادقة لثقافة المكان والإنسان.

ولعلنا نشير إلى الشَّقر والعرضة في الشعر الشعبي، إذ نجدهما ميدان البطولة والصوت الجماعي الذي يحرك الوجدان ويلهم الحماس.

ومن أهم فروع الشعر النبطي شعر الشَّقر أو العرضة، وهو لون شعبي ارتبط بالفروسية والفخر والحماسة.
ومميزاته أنه فنٌّ حيّ، يتقاطع فيه الشعر مع الإيقاع والحركة وأصوات الطبول وصليل السيوف، في مشهدٍ يختزل معنى القوة والوحدة والانتماء.

والعرضة ليست كما يظن البعض فنًا للمجاملة أو المدح فقط؛ بل هي منبرٌ للبطولة، والحكمة، والوطنية، والمواقف الصادقة. وفيها يتبارى الشعراء في ميدانٍ واحد، يجسّدون قوة اللغة وسرعة البديهة وعمق المعنى.

والشعر الشعبي كما قيل حافظ التراث وارشبف الذاكرة.. أجده هكذا؛ إذ لا يمكن تجاهل أن الشعر الشعبي قدّم خدمة عظيمة للتاريخ والتراث؛ فقد حفظ الكثير من الأحداث، ووثّق العلاقات بين القبائل ومنها الحدود القبلية، وصوّر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في عصورٍ سبقت التدوين.
وكان الشعراء الشعبيون قديمًا وحديثًا مؤرّخين بصوتٍ شعري، سجّلوا تفاصيل لا نجدها في الكتب.

وقد برز عبر العقود شعراء كان لهم أثر وتأثير كبيران في هذا اللون، أسهموا في خلوده وانتشاره، وجعلوا منه علامة ثقافية لا تُمحى من الذاكرة العربية.
ومن هؤلاء شعراء كبار في الجزيرة العربية، وشعراء من زهران وغيرهم، ممن حملوا الكلمة الشعبية إلى ميادين واسعة وحافظوا على حضورها.

ولا غرو أنَّ الشعر الشعبي كل الشعر وأن كان مرآة الأمم، وسجلّ القيم والمروءات، وسفير ثقافة الإنسان نجده أكثر من فن.
والشعر الشعبي على وجه الخصوص ليس هواية ولا ترفًا؛ بل هو انتماءٌ أصيل، وذاكرة تحفظ الهوية، ولسانٌ ينطق بالعزة والوفاء.

ولست أرى الشعر الشعبي فنًا يطرب الأذن فحسب؛ بل أراه روحًا صادقة تسكن القلب، ورابطًا حيًا بين الماضي والحاضر، ورافدًا يُغني الهوية الوطنية ويزيدها ثباتًا ووضوحًا.

وإذا ما بحثنا عن أعلام الشعر الشعبي من زهران ومن الجزيرة العربية، نجد سجلهم الذهبي يزخر بالقامات الشعرية الكبيرة بقدر جبل الأنصب وأطول.

إذ لم يكن ازدهار الشعر الشعبي وليد العصر الحديث؛ بل تَشكّل عبر قرون بفضل شعراء حملوا الكلمة على أكتافهم، وأعطوها من أرواحهم حتى صارت جزءًا من الهوية العربية.
وقد برز في الجزيرة العربية شعراء تركوا بصمات لا تُمحى، مثل ابن لعبون، ومحسن الهزاني، وبديوي الوقداني، وراكان بن حثلين، وغيرهم من قاماتٍ صنعت من الشعر النبطي مدرسة قائمة بذاتها.

كما أسهم أبناء زهران إسهامًا لافتًا في تشكيل هذا الوجدان الشعري؛ فقد عرف التاريخ منهم شعراء ذاع صيتهم في ميادين الشقر والعرضة والفنون الشعبية الأخرى، وامتلكوا خيالًا واسعًا وصوتًا قويًا وجرأةً في المعنى والبناء.
ومن هؤلاء الشاعر المبدع محمد بن ثامرة الذي عُرف بجزالة عباراته وابتكاره في الصور والمعاني، وأجاد الشقر والعرضة حيث ترك قصائد متداولة حتى اليوم، إضافة إلى شعراء كُثر من قبائل زهران حملوا إرث الكلمة وحافظوا على ميدانها، وجعلوا من شعر العرضة ساحةً للفخر والحكمة والرجولة، منهم شاعر الحكمة الشاعر صالح اللخمي، وشاعر القيف الحكيم معيض القافري والشاعر علي بن عجيري، والشاعر أحمد الحرفي، والشاعر الزيادي، والشاعر أبو شمال، والشاعر هذّال العدواني رحمهم الله، وغيرهم كثير؛ منهم من لا يزال بيننا، ومنهم من انتقل إلى الباري وأثره بيننا نردده إلى اليوم الموعود.

لقد أسهم هؤلاء الشعراء — من زهران ومن غيرها — في حفظ الذاكرة الاجتماعية وتوثيق البطولات والمواقف والمناسبات، وكانوا لسان الناس وصوت القبائل، وهم الذين أبقوا هذا الفن حيًا متدفقًا إلى يومنا هذا.

وبفضلهم، لم يكن الشعر الشعبي مجرد غناءٍ يمضي، بل سجلًا ثقافيًا ينتقل من جيلٍ إلى جيل، يشهد على أصالة الإنسان في هذه الأرض.

ولعل تأكيدنا هنا أن الشعر الشعبي ذاكرة وطن وهوية لا تغيب، هو تأكيد نتفق عليه قولًا وعملًا وتنسيبًا نفاخر ونفتخر به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى