الانحيازات أو الاستحوذات المعرفية

الباحث الأمني لواء م/ طلال محمد ملائكة
هل مرّت عليكم الجملة الشهيرة: « ما أريكم إلا ما أرى »؟
إنها تشبيهٌ مجازي دقيق لما يحدث لدى بعض الأشخاص اليوم.
في المقال رقم 2 ضمن سلسلة المقالات حول التوتر والقلق والاعتلال النفسي وأسبابه وطرق معالجته المنشورة هنا ” في صحيفة أحوال الإلكترونية” ، تطرّقنا في الفقرة (11) إلى أحد أسباب القلق والتوتر والاعتلال النفسي، وهو: التشدد والغلو في المعتقدات الدينية والسياسية، والتعنت في الآراء الشخصية.
وقد أوضحنا أن الشخص الذي يعتقد أنه على حق دائمًا قد يدخل في صراع داخلي عند مواجهة أي تغيير في آرائه.
ونواصل هنا شرح هذه النقطة بمزيد من التفصيل العلمي؛ إذ يعرّف علماء النفس هذا النمط من التفكير باسم «الانحيازات أو الاستحوذات المعرفية»، وهي أنماط تعيق الفرد في علاقته بنفسه وبالآخرين، وتؤدي إلى القلق والتوتر وربما الاعتلال النفسي. وتنقسم إلى قسمين رئيسين:
1- نقطة التحيّز العمياء (عمى التحيّز)
وهي عندما يعتقد الشخص أن الآخرين أكثر تحيزًا منه، وأنه هو لا يحمل أي تحيزات في آرائه أو أفكاره، فيرى عيوب الآخرين ولا يرى عيب نفسه، ويصرّ على ذلك.
وقد شاهدت كثيرين بهذه السمة، ومن خلال الحديث معهم وتحليل لغة الجسد تظهر بوضوح سمات الانفعال والقلق لديهم.
جرّبوا هذا التحليل وستجدونه حقيقة.
2- خطأ الإنساب أو خطأ الإحالة
وفيه يعتقد الفرد أن تصرفات الآخرين تجاهه ناتجة عن خصائصه الشخصية هو، فهو يرى نفسه متميزًا بفكره وما وصل إليه من آراء نتيجة ظروفه وتجارب حياته الخاصة.
الآثار النفسية والسلوكية لهذه الحالات
استنادًا إلى ما سبق، نجد أن هؤلاء يميلون إلى وصف الآخرين بالسلبية وعدم الفاعلية، ويعتقدون أنهم وحدهم أصحاب الفهم الصحيح.
ولذلك قد يلجأون أحيانًا إلى تحوير الحقائق أو حتى الكذب في سبيل تثبيت صحة معتقداتهم،
فإذا فشلوا في ذلك أغلقوا أبواب الحوار والمعرفة،
وربما قطعوا التواصل مع من يختلف معهم.
وهذا يشكّل خطرًا عليهم وعلى المحيطين بهم، بدءًا من الأسرة والزملاء، بل وقد يمتد إلى المجتمع ككل.
كما أنهم ينسبون النجاح لأنفسهم فقط بسبب قدراتهم وصفاتهم، أما الفشل فيرجعونه للظروف الخارجية أو لأشخاص آخرين أو حتى للمجتمع.
وتحدث أحيانًا حالة عكسية، حيث يوجّه هذا الشخص الفشل لنفسه ولتقديره لذاته،
وهذه نقطة شديدة الخطورة، إذ قد تقود إلى الاكتئاب وربما إلى فقدان الاتزان العقلي.
ومن ذلك ما هي الانحيازات المعرفية؟
مختصر القول: هي خصائص في تكوين نفسيتنا، سواء كانت جيدة أو سيئة، وتؤثر في طريقة رؤيتنا لأنفسنا من الداخل.
والكثير منا لا يدرك وجود هذه الانحيازات في شخصيته.
الاستحواذات المعرفية
وهي حالة من التفكير المكثف والمستمر في موضوع أو فكرة معينة، بحيث لا يستطيع الشخص التحرر منها.
ويُعد هذا النوع من التفكير جزءًا من عدة اضطرابات مثل القلق والاكتئاب والاعتلال النفسي.
وتنشأ غالبًا من التربية والتنشئة، ومن البيانات والمعلومات التي يتلقاها الشخص خلال تطور وعيه،
والتي قد تتغير بمرور الزمن أو تكون غير صحيحة أو غير دقيقة.
ومع ذلك، فإن الاستحواذ المعرفي بحد ذاته ليس مرضًا نفسيًا
إلا إذا بلغ درجة شديدة التمكن، وحينها يؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية، وقد يستلزم تقييمًا وعلاجًا لدى متخصصين.
العلاج
لمعالجة من يعانون من الاستحواذ المعرفي، يجب مراجعة الأطباء المتخصصين في هذا المجال،
فهم الأقدر على إعادة ترتيب البيانات الذهنية لدى المصاب وإعادة برمجتها.


